قامت إدارة الطيران الفيدرالية بالولايات المتحدة، أخيرا، بخطوة أولى تتيح السفر بطائرات مدنية تحلق بدون طيار. وتمهد هذه الخطوة الطريق لتطبيق الأتمتة الكاملة لأنظمة الملاحة في الخطوط الجوية التي يسافر عليها الركاب المدنيون.
وكلفت إدارة الطيران شركة «إنسيتو» التابعة لبوينغ، والحرس الوطني الجوي في نيوجيرسي بالبدء في دراسة الطرق المحتملة لمشاركة المجالات الجوية المخصصة للطائرات المدنية مع الطائرات غير المأهولة، التي يتم التحكم بها عن بعد. وفي بريطانيا، يجري برنامج أبحاث مشابه تقوده بي إيه إي سيستمز ومجموعة إي إي دي إس المالكة لشركة إيرباص.
والهدف الذي يرمي إليه الباحثون على ضفتي الأطلسي، هو السماح للطائرات التي تحلق بدون طيار باستخدام المجالات الجوية المدنية، بدلاً من إيجاد حيز جوي خاص لكل رحلة، كما هو الحال الآن. وبينما نجح هذا الفصل في تجنيب العالم وقوع أية حوادث اصطدام ، فإن الترتيبات اللازمة لإخلاء مجال جوي خاص لكل طائرة بدون طيار يستغرق الكثير من الوقت، ويعوق إمكانية تسيير رحلات عاجلة بموجب إشعار في اللحظة الأخيرة.
ولكن لكي تتمكن الطائرات التي تحلق بدون طواقم من مشاركة الطائرات المدنية في مجالها الجوي، يجب أن تكون قادرة على استشعار وجود أية طائرات أخرى في محيطها، واتخاذ الخطوات اللازمة على الفور لتفادي الاقتراب منها. كما أن خبراء التحكم الأرضي سيحتاجون أيضاً إلى طرق مضمونة الكفاءة والفعالية للتعامل مع أسراب الطائرات التي تحلق بدون طيار، والتي ربما يوجد ملاحوها الأرضيون على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات.
لكن لماذا التفكير أصلاً بفتح الأجواء لمثل هذه الطائرات؟ أولاً، لأنها قد توفر خيارا رخيصاً نسبياً لدعم عمليات مراقبة الحدود، كما يقول لامبيرت هيبنستال، رئيس مشروع «استرايا 2» في شركة «بي إيه إي». وفي الوقت الراهن، ليس هناك ما يكفي من المجالات الجوية المنفصلة المخصصة للطائرات التي تحلق بدون طيار، حتى في بلد كبير مثل الولايات المتحدة. ومن التطبيقات الأخرى لمثل تلك المركبات الجوية القيام بمهام الاستطلاع والبحث والإنقاذ ومراقبة المحاصيل الزراعية.
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فحالما تصبح الطائرات، التي تحلق بدون طيار، قادرة على تفادي الاقتراب من الطائرات المدنية تلقائياً، قد يتم إطلاق طائرات شحن ضخمة يتم التحكم بها عن بعد، كخيار بديل جذاب خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية. فخطوط الشحن الجوي «تتمنى لو تستطيع تسيير أساطيلها الجوية بدون طيارين. لأن من شأن ذلك أن يوفر عليها أموالاً طائلة تدفعها الآن على الرواتب والتعويضات الأخرى بما في ذلك صناديق التقاعد والرعاية الصحية»، كما تقول ماري كامينغز، الطيارة الحربية السابقة في الأسطول الأميركي، والتي تجري في الوقت الحالي أبحاثا على طرق أتمتة أنظمة الملاحة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وهناك بالفعل الآن بعض الطيارات الأوتوماتيكية الضخمة القادرة على القيام بمهام الشحن، بما في ذلك النسخة الكبيرة من طائرة «غلوبال هوك» التي يبلغ عرض فتحة جناحيها 38 متراً، أي ما يقارب حجم طائرة بوينغ 737 المخضرمة.
وسوف يركز مشروع إدارة الطيران الفيدرالية في البداية على إجراءات التحكم الأرضي بالحركة الجوية، حيث يعمل الباحثون في مشروع «أسترايا 2» على تطوير نظام استشعار وتفادي للطائرات التي تحلق بدون طيار، يتألف من عناصر «تعاونية» وأخرى «غير تعاونية».
وتستخدم الخطوط الجوية اليوم نظاما تعاونياً يدعى «نظام التحذير منع الاصطدام الجوي» أو اختصاراً «تي سي إي إس»، حيث تقوم أجهزة إرسال لاسلكية موجودة على متن كل طائرة بالإعلان عن موقعها وارتفاعها واتجاهها. وينشئ النظام صورة كمبيوترية لمحيط المجال الجوي للطائرة، ويقوم على أساسه بحساب مخاطر الاصطدام. وفي حال تم رصد أي مصدر خطر قريب، يطلق صوتاً آلياً عالياً في غرفة التحكم يعطي التعليمات لطاقم التحكم برفع مستوى تحليق الطائرة أو خفضه لتفادي الخطر.
لكن بعض الطائرات ربما تكون صامتة لاسلكية أو لديها إشارات كهرومغناطيسية ضعيفة جداً، مما يجعل من الصعب رصدها. وهنا يأتي دور العناصر الأخرى، التي يقوم المشروع بتطويرها، وهي عبارة عن مجموعة من المجسات الحرارية التي تستجيب للأشعة تحت الحمراء، ورادارات للأمواج المليمترية، وكاميرات ضوئية، وذلك لضمان تمكن الطائرة التي تحلق بدون طيار من استشعار وجود طائرة أخرى في الجوار في مختلف الظروف الجوية. ففي حين تستطيع مجسات وكاميرات الأشعة تحت الحمراء رصد الطائرة في الفضاء المكشوف، فإنها قد لا تراها وسط الغيوم. وهنا يأتي دور رادار الموجات المليمترية الذي تخترق أشعته الضباب والسحب بسهولة.
خيار مغر
على الرغم من إجماع خبراء السلامة على أن وجود العنصر البشري في قمرة القيادة أمر لا يمكن تعويضه بسهولة، خاصة في حالات الطوارئ غير المتوقعة، فإن الباحثين يبدون مقتنعين بأن التوفير في التكلفة سيكون كبيراً بدرجة يصعب معها مقاومته.
وتقوم الآن أنظمة الملاحة الآلية والهبوط بالاستعانة بالطيار الآلي بجزء كبير من وظائف الطيران الفعلية، لدرجة أن الطيار ربما يعتبر في نهاية المطاف ميزة إضافية مكلفة لا داعي لها، حتى في طائرات نقل الركاب.
إعداد ـ علي محمد
