في العاشر من أكتوبر 1967، جالت صورة العالم بأسره محركة مشاعر ملايين الأشخاص، إنها صورة تشي جيفارا ممددا على مصطبة إسمنتية، محاطا بعدد من العسكريين والصحافيين. كان ميتا وكان هناك ضابط يشير بإصبعه إلى المكان في صدره الذي اخترقته الطلقة التي قضت على حياته.

في جسد تشي يبدو الرأس مرفوعا بشكل طفيف، والعينان مفتوحتان كما لو كان حياً وينظر إلى نقطة ما في البعيد، بينما الشفتان بالكاد مقوستان وتعلوهما ابتسامة غامضة تخفي وراءها حكاية أسطورة.

اياندرو كاتز، فنانة أرجنتينية عاشت عدة عقود في الولايات المتحدة، قامت، مؤخراً، بإعداد كتاب تحت عنوان «أشباح نياكاهوازا»، يقع في 277 صفحة، تعيد فيه بناء تاريخ تلك الصورة ومسيرتها الرمزية الطويلة.

كاتز بدأت تحرياتها حول الموضوع بمنتصف الثمانينات ووجدت أن الصورة لا تحمل توقيع من التقطها، لأنها كانت قد بيعت لوكالة «رويترز» للأنباء من قبل مصور بوليفي يعمل لحسابه الخاص مقابل 75 دولاراً فقط، و«مصافحة دافئة».

وهي تقول: «بدأت أتصل بصحف لا باز، إلى أن قام أحدهم بتحويل المكالمة إلى المصور، الذي اتضح أن اسمه فردي ألبورتا، وكان قد نسي الموضوع تماما، واكتشفت أن لديه، بالإضافة لصورة تشي تلك، 200 صورة أخرى التقطها في اليوم نفسه».

سافرت إلى لا باز للقائه، وفي رأسها فكرة إعداد «فيلم- بحث»، لكن بسبب نقص التمويل، لم تتمكن من التصوير حتى عام 1993، وعزت فترة الانتظار هذه إلى أسباب تتعلق بتوسيع البحث، لكنها فترة كانت حافلة بالمعارض في العديد من صالات العرض والمتاحف في الولايات المتحدة، كما أنتجت خلالها فيلما تحت عنوان «اليوم الذي ترديني»، الذي عرضته للمرة الأولى في كوبا وحصل على عدة جوائز عالمية.

ويعد«أشباح نانكاهوازا» عملا ناجحا، يجمع عدة قطع تبني وتهدم شخصية جيفارا مرات عدة، حيث يتضمن الكتاب عشرات المقالات والمقابلات والسيناريوهات، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من الصور والرسومات وأجزاء من بحث كاتز نفسها واسطوانة مدمجة للفيلم. ومن بين المقالات هناك مقال بقلم جون بيرغر، الذي كان الأول في الكتابة حول الصورة.

حيث يبرز التشابه المدهش بين صورة جيفارا ميتاً وبين لوحتي «درس في علم التشريح» لرامبرانت و«المسيح ميتاً» لمانتيغنا، ويقول بيرغر: «إن الهدف من الصورة كان تقديم شهادة لنهاية أسطورة. لكن التأثير كان مغايراً بالنسبة للكثيرين من الذين شاهدوها».

وفي مقال كتبه الباحث ماريانو ميستمان، يعيد فيه المؤلف رسم بعض المسارات التي سلكتها الصورة بينما يتذكر أومبرتو ايكو، ويقول: إنه حلل الصورة بصفتها إحدى الصور النموذجية لتلك الحقبة من الزمن، أما سوزان سونتاج فلقد تقصت فيها طابعها الذي لا ينسى. بينما اختار فنانون (سياسيون) مثل ليون فيراري وريكاردو كارباني وروبيرتو جاكوبي، العمل على صورة أخرى لجيفارا، هي الصورة التي التقطها له المصور الكوبي كوردا.

لكن الاكتشاف الأهم الذي تقدمه كاتز في كتابها الجديد ربما يكمن في أنه يظهر في إحدى صور ألبورتا، غير المنشورة سابقاً، وجود جثتين لثائرين آخرين.

دبي- باسل أبو حمدة