كان اهتمام العرب بالنسابين كبيرًا جدًّا إذ كان لكل قبيلة نسابة أو أكثر فيحتفلون بظهوره كاحتفالهم ببروز شاعر؛ فكانت هذه الحفاوة والاهتمام ليبرز انتسابهم إلى الجد الأعلى للقبيلة والذود عنها بين القبائل.
وللعرب اهتمامات كبيرة بالأنساب قبل الإسلام، فكانوا يعيبون على القبيلة التي تجهل نسبها وإلى أيّ جذم تنتمي، فإنّ كتّاب النسب يجمعون على أنّ العرب جذمان (الجذم الأصل) أحدهما عدنان والآخر قحطان، وإلى هذين الجذمين ينتهي نسب كل عربي في الأرض، ولابد أن يقال له عدناني أو قحطاني.
التعرف إلى النسب
وإنّ التعرف إلى النسب حسب أحكام الشريعة فرض وواجب لكي يتعرف فيه الإنسان إلى محارمه في النكاح، وأن يتعرف إلى كل ما يتصل به برحم يوجب ميراثًا أو يلزمه صلة أو نفقة عليه.
فقد استمر العرب في العناية بالنسب فكان اهتمام الخليفة عمر بذلك فعندما نظم في صدر الإسلام ديواناً للجند استعان بمجموعة من النسابة الكبار في تدوين أسماء القبائل ومقدار أعطيات الجند، فكان اعتماده على مخرمة بن نوفل وعقيل بن أبي طالب، وعلى إثر نجاح جيوش التحرير العربية الإسلامية في تحرير كل من العراق والشام ومصر.
قام قادة الفتح باختيار مواضع مناسبة لتكون قواعد للجند وموضعًا لإقامة عوائلهم وذويهم؛ فقد اعتمد هؤلاء القادة قواعد وأسس محددة لإسكان الناس في هذه الأمصار، فقاموا بإسكانهم حسب قبائلهم وصلة النسب بينهم، مراعين في هذا التقسيم الأماكن التي جاؤوا منها.
وينسب إليه القول الآتي: تعلّموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال: من قرية كذا، يقصد بكذا ينسب الرجل نفسه إلى المدينة الفلانية أو إلى مهنته لكونه يجهل نسبه الحقيقي وإلى أيّ من القبائل ينتمي.
(9) انظر: محمد عيسى الجبوري، د. جاسم، النسابون وأثرهم في تدوين التاريخ العربي الإسلامي، مجلة العرب، عدد ذو القعدة وذو الحجة 1425 هجرية.
اهتمام العرب بالنسابة
وكان اهتمام العرب بظهور نسابة في القبيلة قد جاء من كون العلم بالأنساب ضرورة حتمها الظروف الاجتماعية والسياسية قديما كم أسلفنا، فالانتماء إلى عشيرة أو قبيلة أو حلف قديما، كان حماية للمرء، وجنسية في عرف هذا اليوم.
ولهذا صار إخلاص الأعرابي لقبيلته أمراً لازماً له محتماً عليه، وعليه أن يدافع عن قبيلته دفاع الحضري عن وطنه. فالقبيلة هي قومية الأعرابي، وحياته كانت منوطة بحياة تلك القبيلة.
ولهذا كانت قومية أهل الوبر قومية ضيقة، لا تتعدى حدودها حدود القبيلة وحدود مصالحها وما يتفق أهل الحل والعقد فيها عليه. ومن هنا صارت القبائل كتلاً سياسية، كل كتلة وحدة مستقلة، لا تربط بينها إلا روابط المصلحة والفائدة والقوة والضعف والنسب.
والعادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه، وتدعي أنها من صلبه وأن دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى وتتفاخر، فهو بطلها ورمزها، وعلامتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الأخرى. وفي الحقيقة ليس ذلك بدعاً في العرب وحدهم، بل إننا نجد الأمم والشعوب الأخرى تنتمي إلى أجداد وآباء.
فـ Hellen، هو جد أهل دورس َُِّّْ، ومنه أخذ الهيليون اسمهم هذا. وكان للرومان وللفرس وللهنود وللأوربيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم بل وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند العرب تماماً. (10) المفصل، مصدر سابق، ص 467.
القبيلة تمثل جواز السفر
إن القبيلة كانت تمثل بالنسبة للعربي، الجنسية وجواز السفر والبطاقة الشخصية، التي يحملها أبناؤها أباً عن جد بحفظ أنسابهم، أينما حلوا وارتحلوا.
وقد ذكر ذلك، كبارهم وصغارهم ملوكهم وشعراؤهم، وافتخروا كون العربي يعرف نسبه إلى جده السابع، في وقت كان العرب فيه أمة شفاهية لم ترتبط كثيراً بالتدوين.
إضافة إلى ذلك فإن الأنساب كعلم اجتماعي اختص به العرب لطبيعتهم اللغوية القائمة على هذه المشافهة دون التدوين وبذلك انحصر إبداعهم في (فن القول) بطريقة السماع وهو ما يقتضي الفصاحة والبيان، بالإضافة إلى جغرافيا الصحراء، أي تلك العزلة الديمغرافية التي عززت لديهم ثقافة النسب.
كما لعب الأصل الديني البعيد لنبوة إبراهيم عليه السلام، ونبوة إسماعيل دوراً في استدعاء الحفاظ على النسب والفخر.
ولقد رفد العناية بالأنساب مفهوم الحسب وهو المناقب البطولية لفرد ما أو لمجموعة أو قبيلة. (11) جميل أحمد، محمد، في معنى النسب عند العرب.. الأصول والتداعيات، بحث منشور في صحيفة الحياة بتاريخ 26 أغسطس 2006 م.
المنهج الإخباري ونقده
لقد تعرّض المنهج الإخباري لدى العرب إلى العديد من الانتقادات. ومن ذلك ما يروى عن سلاسل الأنساب البعيدة التي يصعب تصديق حفظها على مدى مئات السنين. وأشير على وجه الخصوص إلى الطعن الذي تعرّض له بعض كبار النسابين مثل ابن الكلبي ومن نقل عنه في مصداقية رواياتهم.
ومن ذلك الأشعار التي تروى عن ملوك حمير الأقدمين مثل: الصعب ذي القرنين، وياسر ناشر النعم، وغيرهما، والتي تتنافى مع الواقع اللغوي الذي توضحه الآثار والنقوش المكتشفة وغير ذلك من الانتقادات التي يطول حصرها.
ولكن مسألة النقد المشار إليها ينبغي أن يتم تناولها بحذر وتمحيص؛ فليس العرب وحدهم الذين تعرّض تراثهم التاريخي للنقد ونحن ينبغي أن نتقبل ذلك، ويبدو أنّ العديد من شعوب العالم تم تجهيل وتسطيح تراثهم التاريخي الذي تشكل الأنساب جزءًا منه.
(12) أنظر: محمد العتيقي، د.عماد، الأنساب والحاجة إلى منهج علمي، مجلة العرب، عدد رجب وشعبان، 1427 هجرية.
لقد لعب هؤلاء النسابون والإخباريون وفي طليعة ممن اشتغل برواية أخبار ما قبل الإسلام مثل عبيد بن شرية، ووهب بن منبه، ومحمد بن السائب الكلبي، وابنه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وآخرون.
لقد لعب هؤلاء دوراً كبيراً في التشكيك بسلاسل النسب بل وفي تقسيم العرب إلى فئتين قحطانيين وعدنانيين، وقد يتبادر للباحث في الأنساب الشك بما أوردوه ودوّنوه وربما اختلقوه.
لأن بعض هؤلاء مثل عبيد بن شرية وكعب الأحبار ووهب بن منبه، قصّاص أساطير، ورواة خرافات، وسمر مستمد من أساطير يهود، وأولئك وأمثالهم هم منبع الإسرائيليات في الإسلام.
عبيد بن شرية
عبيد بن شرية، كان من أهل صنعاء «في رواية» أو من سكان الرقة «في رواية أخرى». وكان معروفاً عند الناس بالقصص والأخبار، فطلبه معاوية، فصار يحدثه بأخبار الماضين.
ومن الكتب المنسوبة إليه: كتاب الأمثال، وكتاب الملوك وأخبار الماضين، وقد طبع في ذيل «كتاب التيجان في ملوك حمير» المطبوع بحيدر اباد دكن بالهند بعنوان «أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها» وقد وضع الكتاب على الطريقة التي تروى بها الأسمار وأيام العرب.
وفيه أشعار كثيرة وضعت على لسان عاد وثمود ولقمان وطسْم وجَديِس والتبابعة، وفيه قصص إسرائيلي وشعبي يمثل في جملته السذاجة وضعف ملكَة النقد، وبساطة القص والقصة، ومبلغ علم الناس في ذلك الوقت بأخبار الأوائل.
وقد حصل «كتاب الملوك وأخبار الماضين» على شهرة بعيدة، وطلب في كل مكان، وكثرت نسخه، ومع هذه الكثرة اختلفت نسخه، حتى صعب العثور على نسختن متشابهتين منه. وقد نقل الهمداني «المتوفى سنة 334 للهجرة» بعض الأخبار المنسوبة إلى عبيد.
ولمَا نقله، أهمية كبيرة في تثبيت مؤلفات عبيد، إذ يمكن مقابلته بما نشر، وَمطابقته بما طبع، فيمكن عندئذ معرفة ما إذا كان هناك اتفاق أو اختلاف. ويمكن عندئذ تعيين هوية المطبوع.
السمر والقصص
والطابع الظاهر على أخبار عبيد، هو طابع السمر والقصص والأساطير المتأثرة بالإسرائيليات. وأما الشعر الكثير الذي روي على أنه من نظم التبابعة وغيرهم، وفيه قصائد طويلة، فلا ندري أمن نضمه أم من نظم أشخاص آخرين قالوها على لسان من زعموا أنهم نظموها.
أو إنها أضيفت فيما بعد إلى الكتاب ونسبت روايتها إلى عبيد؟ وعلى كل فإنها تستحق توجيه عناية الباحثين إلى البحث عن زمن ظهورها وأثرها في عقلية أهل ذلك الزمن.
وأما «وهب بن منبه»، فقد كان من أهل «ذمار»، وكان قاصاً إخبارياً، من الأبناء، ويقال انه كان من أصل يهودي، واليه ترجع أكثر الإسرائيليات المنتشرة في المؤلفات العربية. وقد زعم أنه كان ينقل من التوراة ومن كتب بني إسرائيل.
وانه كان يقول: «قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسبعين كتاباً»، وانه كان يتقن اليونانية والسريانية والحمرية، ويحسن قراءة الكتابات القديمة الصعبة التي لا يقدر أحد على قراءتها. ( 13 ) المفصل، مصدر سابق، الفصل الثاني، ص: 83، 84.
فخر
القبيلة كانت تمثل بالنسبة للعربي، الجنسية وجواز السفر والبطاقة الشخصية، التي يحملها أبناؤها أباً عن جد بحفظ أنسابهم، أينما حلوا وارتحلوا. وقد ذكر ذلك، كبارهم وصغارهم ملوكهم وشعراؤهم، وافتخروا كون العربي يعرف نسبه إلى جده السابع.
