الكذب سلاح ذو حدين إذ يجعلنا نشعر بالاكتئاب. ومع ذلك يقول علماء النفس إن لدينا استعدادا كبيرا للمخادعة. وتشير الدراسات الحديثة إلى وجود منافع حيوية للكذب، فالشخص الذي يكذب تحدث له تغيرات جسمانية أبرزها تفلطح الأنف بشكل مفاجئ، أو زوغان العينين، وعدم القدرة على النظر في عين من يتحدث إليه.
أو ربما يحدث تغير في الحالة الجسمانية للشخص عند عرضه على جهاز كشف الكذب. غير أن هذه كلها ليست معايير دقيقة للكذب. وحتى مع استخدام أكثر الأجهزة تقدما يبقى أمر كشف الكذب من الصعوبة بمكان.
العقد الماضي شهد اختراع العديد من أجهزة كشف الكذب ومعرفة الحقيقة، من بينها أجهزة تتتبع النشاط الكهربي للمخ. واعتمادا على فكرة مفادها أن بؤبؤ العين يسخن عند الكذب تم تطوير جهاز لقياس حرارة العين من خلال الصور الحرارية. كما تقوم أجهزة الأشعة المتقدمة بقياس مستوى تدفق الدم إلى المخ.
ومع ذلك فإن العلم لا يزال بعيدا عن الإتيان بجهاز أو طريقة لرصد حالة المخ مثلا عند الكذب بشكل دقيق ومحدد مثلما يقاس التوتر العصبي. ويبقى الإنسان عاجزا عن أن يحدد بشكل قاطع من يقول له الصدق، ومن يكذب عليه.
ويقول البروفيسور روبرت فيلدمان أستاذ علم النفس في جامعة ماساشوسيتس، الذي قضى 25 عاما في دراسة «الخداع»، إن الخداع يسهل على البعض أن يكونوا ماهرين في ممارسة الكذب».
ويضيف «بعض الناس كذابون مهرة، وبعضهم ليسوا كذلك، وكلهم يستخدمون إشارات مختلفة، وما لم تكن قد عرفتهم لفترة طويلة فلا يمكنك أن تحدد ما إذا كانوا صادقين أو كاذبين».
ويقول فيلدمان في كتاب له عن الكذب، يحمل عنوان «حقيقة الكذب»، إن الناس جميعا يكذبون معظم الوقت. ويستخدم العالم مبادئ نفسية عدة لشرح ذلك أهمها ما يسميه «أفضلية موقف الكاذب»، والتي يستفيد فيها الكاذب من عدم وجود جهاز لكشف الكذب، ومن البراءة الفطرية للآخرين.
ويضيف «نحن لا نتوقع أن يكذب علينا الآخرون، وكثيرا ما يقولون لنا ما نحب أن نسمع منهم. فيقولون مثلا أننا نؤدي عملنا كما ينبغي أو أننا ناجحون. فالكاذب يريد أن ينجح في كذبه، ونحن نريد أن نصدقه، وهذا ما يحدث، لا عوائق أمام الكاذب».
نماذج الخداع التي يتم رصدها في مجال الكذب تبدأ من شخص يجامل، أو يتظاهر بأنه يعرف ما يحكى له من معلومات حتى لا يقطع كلام المتحدث، وصولا إلى الكاذب الماهر كالطالب المقتدر ماليا، الذي يتظاهر بالفقر قبل أن يقوم بالتبرع بملايين الدولارات لجامعته.
ويتم رصد هذه النماذج في كل مظاهر الحياة الحديثة تقريبا، وحتى في علاقتنا بأنفسنا والمقربين منا وفي محيط عملنا وفي وسائل الإعلام وأجهزة الحكومة.
ويشير فيلدمان إلى أن الكذب مهارة أساسية نتعلمها في وقت مبكر من حياتنا. وأثبتت الدراسات أن الأطفال يبدأون في تعلم الكذب من سن الثالثة ويتقنونه في سن الخامسة. ونحن لا نتعلم الخداع مبكرا فقط، ولكننا نتقنه، ونستخدمه كوسيلة للنجاح مهنيا واجتماعيا فيما بعد. ويشبه العالم كذب الإنسان بتمويه الحيوانات الضعيفة لتفادي التعرض للخطر من الحيوانات الأقوى منها.
وفيلدمان هو أحد مجموعة من العلماء الذين يرون أن الخداع خطر على المجتمع، وأن له عواقب وخيمة غير مرئية، ويؤكد أن الإنسان الكاذب المخادع يعاني من تأنيب الضمير والاكتئاب. فالكذب يجعل علاقاتنا بالآخرين كما لو كانت غير حقيقية، ويجعلنا نشعر بالمرارة حتى عندما ننجح في خداع الآخرين.
عصام بيومي
