عاد الجنرال نورييغا، حاكم بنما القوي إلى الأضواء، بعد أن أمضى سنوات طويلة في غياهب سجون ولاية ميامي الأميركية، ولكن هذه المرة أصبح في قبضة السجون الفرنسية إذ تم تسليمه في أبريل الماضي، وكانت فرنسا قد قلدته وسام الشرف الرفيع قبل ثلاثة وعشرين عاماً.

هذه هي سخرية القدر، كيف يمكن لفرنسا محاكمة رجل قلدته ارفع وسام وطني؟ هذا يناقض الدستور الفرنسي ولكن البعض يقول بأن ذلك لا ينطبق على الأجانب المقلدين هذا الوسام.(توني) الذي أمضى حياته يتيماً منذ عمر الخامسة، وامضى طفولته في الاعتناء بأمه، كان يطمح لدراسة الطب لكن دخل عائلته الفقيرة لم يكن كافياً لذلك، التحق شأنه شأن العائلات الفقيرة في العالم أجمع بالكلية العسكرية في البيرو، وتمكن من الحصول على بعثة بفضل أحد معارفه العاملين في السفارة البنمية هناك.لم تكن حياته هادئة، فقد كان عنيفاً كما يؤكد الصحافي فردريك كامب، الذي نشر تقريراً عنه عام 1960 يفيد (بأنه تم توقيف نورييغا بسبب ضربه وابتزازه إحدى العاهرات في الشارع).أميركا تتقصى هذه الأخبار الصغيرة عن الشخصيات التي تهمها لكي تستخدمها وقت الحاجة، وإن لم تتوفر فهي قادرة على فبركتها وتصنيعها وتسويقها عبر أجهزتها الإعلامية والدعائية. وهي لا تتردد في استخدام شتى الطرق من أجل أحل الفتك بأعدائها حتى لو كانوا من أصدقائها، بعيداً عن أخلاق الفرسان.

لذا عندما احتلت أميركا بنما، استعانت بموسيقى الروك الصاخبة، وأطلقها الجنرال ستينر، أحد القادة آنذاك، من مكبرات الصوت باتجاه قصر نورييغا، لكي يؤثر على أعصابه، ويضعف من معنوياته.

لم يفهم نورييغا أن يفّرق بين الصداقة والعداوة، ذلك الخيط الرفيع اللامرئي بينهما من وجهة النظر الأميركية، فلم يشفع له العمل مع وكالة الاستخبارات الأميركية أو قتله للمعارضين اليساريين أو محاربة الثوار السانديين والتجسس على قادة حرب العصابات أو على كوبا أو تشجيع الاستثمارات الأميركية في بنما.

ليست تجارة المخدرات هي التي أسقطت نورييغا بل عدم التزامه بقواعد اللعبة الأميركية. فكما وجد عمر تورخيوس، رئيس بنما السابق، حماسة الشباب فيه، واكتشفت أميركا فيه الرجل المناسب في مرحلة معينة.

شبّه الأميركان بأدولف هتلر وصدام حسين، وبالرجل العديم الجذور، فعادة ما تلجأ الدعاية الأميركية إلى استخدام القوالب الجاهزة، ولا ترغب في التحليل العميق، وهذه المقارنة ظالمة في حق المشّبهين وفيها قصر نظر.

ولعل ما تريد أميركا أن تقوله أن هؤلاء، خرجوا من الثكنات العسكرية ومنحوا لأنفسهم الرتب والبزات العسكرية والأوسمة والنياشين لا يستحقوا أن يحكموا تلك البلدان.

عزلة السجن الطويلة بدت على وجه نورييغا أثناء تسليمه إلى الفرنسيين لمحاكمته على خلفية المخدرات، وهي تطالب بعقوبة السجن القصوى، ومصادرة حساباته المصرفية.

وفي حفلة التسليم، حرصت أميركا أن تظهر هذا السجين الشهير، مقتادا إلى سجنه، مزنراً بالسلاسل، ومحاطاً بعملاء الـ اف. بي. آي.، بدلاً من تسليمه إلى بلده لأنها تخشى أن يفضح ملفات أميركا السرية في بنما وأميركا اللاتينية.

التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة بشكل تراجيدي، ومرة بشكل هزلي، هل أن الكوميديا الهزلية ـ احتلال بنما ـ تستدعي غزواً أميركياً وإصراراً على اعتقال رئيسها الذي لجأ إلى سفارة دولة أجنبية؟!

شاكر نوري