الرجال الحقيقيون منارات قيم، أمناء على أن تورث كالأرض للأجيال القادمة، كان «ابن ركاض» يرث من مناهل فكر زايد الخير وحكمته العميمة، ويورثها لكل ذي بصر وبصيرة، فكانت الرفقة الحميدة والحال كهذا، مصدر إشعاع آدمي يستمد طاقته من نور سماوي خص الله به منطقتنا هذه.
هي سيرة ذاتية تختصر مسيرة عامة، لما تزخر به من معاني محاكاة السمو، على أرض عامرة بالإرادة والإصرار على تطويع المستحيل، وسماء تعد بالمزيد من الخصوبة، وأناس عاهدوا ربهم وقادتهم على مجاورة العلا..
هو شيخ ابن شيخ يصلح ذات البين يسير على نهج الحديث (أفضل الصدقة إصلاح ذات البين) عايش زايد ورابعه وتفيأ بظله ومازال لسان حاله يلهج بذكره وطيب سجاياه، كلفه زايد بكثير من الاعمال فكان اهلا لها يعود بالذاكرة إلى سنين خلت إلى ايام القنص والصيد والجلوس في معية رجل صادق الكل وقربهم اليه وساواهم بابنائه، ويصف القرب من زايد بأنه اكبر من اية مسؤولية لانك امام رجل يقرؤك ويعرف خفاياك، لذلك ان لم تكن نقيا كنقاوة زايد فلا تقحم نفسك في هذا المحيط.
ويصف رحيل زايد بأنه هز اركان الكون، ولم نبكه نحن فقط بل بكاه العالم اجمع. هذا ما فاضت به ذاكرة ضيفنا الشيخ محمد بن ركاض شيخ قبيلة العوامر الذي اسهب في الحديث عن زايد وخص نفسه بالقليل فقال:
أنا عمري تجاوز 65سنة من مواليد العين، أهلنا بدو لديهم الجمال، والنخيل. كانت الحياة بسيطة جداً، وكان الناس ينامون بعد صلاة العشاء، ويستيقظون مع آذان الفجر، والحياة بسيطة وسط الأحوال المناخية القاسية، وكان الطعام يمتلئ بالرمال التي لم تكن هناك وسيلة لصدها، ورغم كل الصعوبات وقلة الإمكانات، كان الناس متقاربين جداً من بعضهم، ويحبون بعضهم بعضاً، وكانت القناعة عظيمة والعلاقات قوية بين الناس.
والأمراض قليلة، والحمد الله، بينما كنا نعتمد على الأدوية الشعبية من الزعتر والمر والصبر والحلول والحرمل واللبان، فهذه الأدوية هي التي كان يعرفها الناس، وفي الماضي عندما كان يحل ضيف كان أفراد العشيرة يجتمعون ويتسابقون على ضيافته، ويقدم كل صاحب بيت كل ما لديه لاستضافته.
ويجتمعون في مكان واحد حضيرتهم واحدة ويكرمون الضيف إن جلس يوماً أو شهراً وفي كل ليلة واحد من البدو يذبح ذبيحة ويجتمع الكل عنده. في القيظ نأكل التمر وكلنا عائلة واحدة حيث لا دوام ولا غيره والحياة صعبة لا بترول ولا دراهم، كانوا يذهبون للشيوخ حيث يكرمونهم بالفلوس، والشيوخ يحبون والدي فحيث يتواجد كان يحل مشاكل البدو.
لم نتعلم
لم نتعلم بل قرأنا القرآن وحفظناه وتعلمنا من سيرة المغفور له زايد. وعند قيام الاتحاد وتسلم المغفور له زايد مقاليد الحكم اتفق مع المغفور له الشيخ راشد على النهوض بالدولة، وجلبوا شركات البترول للتنقيب ،وبدأت عجلة الحياة الاقتصادية بالدوران وبدأت بركات زايد تؤتي أوكلها حيث كثر الخير وعمل لنا معاشات للصغير والكبير الكل يعمل بالجيش بالشرطة بالبلديات بكل دوائر الدولة، وأصبحنا بعد الفقر خير الناس.
كنت أرافق المغفور له الشيخ زايد للقنص في باكستان ،من هنا نأخذ السلاح وهناك الطيور لصيد الحباري ونبقى لمدة شهرين. بعدها أبقاني زايد في دائرة الزراعة بالعين ثم نقلني إلى عضو في مجلس بلدية العين وكنت نائب مدير البلدية.
وعندما عمل لنا زايد صندوق الزواج حيث كان الواحد منا لا يتزوج الا في سن كبيرة لضيق ذات اليد فجاء صندوق الزواج وتم إعطاء لكل واحد 70 ألف درهم بعدها بدأنا بالعرس الجماعي وبدأناه ب79 شخصاً كلهم من منطقة اليحر 25 من قبيلة النيادات اعطانا المغفور له الشيخ زايد 360 ألفا وذبحنا 9 قعدان، وعملنا خيمتين واحدة للرجال وواحدة للنساء، وجاء الشيوخ كلهم لحضوره، والشيخ زايد يقوم بسداد تكاليف العرس كاملة غير السبعين ألفا لكل عريس حتى لو كانت التكلفة مليونا ،وبذلك اتجه الشباب والبنات للزواج، وكبرت الأسر المواطنة، وازداد العدد. وأعطاهم زايد بيوتا ومزارع ودكاكين، وأصبحنا من الدول الأولى في العالم.
زايد والزراعة
بالنسبة للزراعة استدعى المغفور له زايد خيرة المهندسين من الخارج للعمل على زراعة الأشجار وعند وصولهم وفحص التربة قالوا له هذه تربة مالحة ولا تصلح للزراعة، فقال لهم لا يهم اذهبوا وسأطلبكم بعد فترة، وفعلاً قام زايد وبفكره النير بوضع الرمل الأحمر وعمل تصفية في البحر لتحلية المياه وزرع الموز والعنب والنخيل وأصبحت بلادنا جنة، وبعد ثلاث سنوات استدعى هؤلاء المهندسين وعندما وصلوا أصابتهم الدهشة فقالوا يا سيدي انت غلبتنا سياسياً وفكرياً وعملياً ونحن نعجز حتى عن الوقوف أمامك فنود لو تقبل منا هذا الوسام انك خبير في الزراعة والبيئة.
ولو أمعنا النظر في الصحراء القاحلة التي تحولت إلى أرض خضراء، والأرض الفضاء الخالية التي تحولت إلى عمارات وأسواق حديثة، والطرق التي كنا نمشيها في شهور تقطع الآن في ساعات، فلن يسعنا إلا أن نحمد الله ونشكره على هذه الانجازات التي أخرجها إلى حيز الوجود مؤسس دولتنا المغفور له الشيخ زايد طيب الله ثراه، بقراءته الصحيحة لمجريات الأحداث واتجاهاتها، وفهمه العميق لواقع البلاد ومكوناتها، وها هي منطقة العين أصبحت اليوم مدينة الحدائق والمتنزهات، وإحدى الوجهات السياحية المتميزة على مستوى الدولة، ويقصدها المواطنون والمقيمون والزوار للاستمتاع بأجوائها الجميلة.
ونحمد الله على النهضة الكبيرة التي شهدتها مدينة العين ومناطقها المجاورة خلال السنوات الماضية من مشاريع في التنمية والازدهار العمراني والاقتصادي والزراعي، ونحن نفتخر بأن تكون مدينة العين واحدة من المدن المتطورة والحضارية، في عمرانها ومؤسساتها وطرقاتها والانجازات في كافة مرافق الخدمات.
منطقتنا لم يكن يسكن فيها أحد الآن بركات زايد حلت علينا، أعطانا المزارع وكل التكاليف فقط علينا الاهتمام ونحن نزرع ونسوق، وبحالة وجود خسارة لم نكن نتحمل فلساً واحداً بل الحكومة هي التي تتحمل وبقيت رغم ذلك تشجعنا على الزراعة .ففرحة زايد كانت بفرح شعبه وعيشتهم عيشة هنية.
أساس المعرفة
معرفتي بالمغفور له الشيخ زايد عندما عملت معه حامل سلاح لفترة طويلة ثم حامل طير وكنا نخرج للقنص يحمل طائره بيده يجلس و يأكل معنا، هو واحد منا لا أحد يعرف انه مسؤول بهذا الحجم لأنه لم يجلس في ايوان أو قصر بل يلبس كما نلبس يأكل كما نأكل نتحادث نتسامر ،ولو جاء إلينا غريب يحسبنا ربعا إلى أن يجلس معنا يعرف وحده أمام من يجلس، زايد ذلك العظيم الذي يحمل كاريزما لم تتوفر في أي من البشر كاريزما تتمثل في نظراته، في حديثه ،في فكره في خططه لانه صنع جنة قبل ان يغادرنا.. كان يجلس مع الكل كبيراً وصغيرا، الكل أبناؤه وإخوانه.
زايد رجل بدوي نقي السريرة قوي الشكيمة يحس بمواطن الطيبة عند أي شخص أمامه عندما أحبني زايد وقربني إليه في الصيد ثم سلمني مسؤولا في البلدية ودائرة الزراعة وصندوق الزواج ،بعدها في المجلس الاستشاري ،فهذه ميزة أن يصطفيك زايد ويقربك إليه، ولكن هنا تزداد مسؤولياتك لأنك أمام رجل يعرفك أكثر من نفسك ،فهو معلم وأب وقائد وزعيم وصاحب رؤية يجب أن تكون بحجم هذه الرؤية ،وعندما عينني في المجلس الاستشاري أتيته فسألني ما هي أحوال العين وضواحيها يا محمد؟ فقلت له يا سيدي العين جنة وأنت عملت لنا معجزة قال لي وما هي المعجزة.
قلت له :يا طويل العمر هؤلاء الستة آلاف الذين أطلقتهم من حبسهم في ليلة واحدة قال لي: أطلقتهم لسبب وهو ان شخصا منهم قطع عذق نخلة وحبسوه ثلاث سنوات ونصف فضاع حلاله واختفى أولاده وساءت حالته ولم يخبروني به أو عن حاله.
وعندما سمعت بقصته عرفت أن الله عرفني هذه الحالة لأنظر بباقي الحالات فأطلقت سراح الكل ورجعوا لوظائفهم وأعطيتهم معاشاتهم المتأخرة واللاحقة ومن ليس عنده عمل أوجدت له عملا ،ومن عمل مشاكل صعبة بحق المجتمع فتنظر المحكمة في أمره وبعد ثلاث جلسات يأمرون إما بحسبه أو إطلاق سراحه.
الوزراء مستغربون
حصل مؤتمر عندنا وكان موجود فيه 25 وزيرا وأنا كنت برفقتهم قال لهم زايد اسمعوا نحن حبانا الله خيرا كثيرا وهذا المال ليس لي بل لكل المسلمين وأنا واسطة لذلك فأي بلد يحتاج لمدارس ومشافٍ وطرق وبه فقر سأكون بعون هذا البلد ولن أبخل عليه بكل ما يفيدهم ومن دون مقابل فمن أراد أن يأخذ معونة بلده الآن فأنا جاهز ومن أراد أن يخبر رئيسه فأنا أيضا جاهز.
بعد المؤتمر خرج الجميع مشدوهين ويقولون هل نحن في حلم أم علم؟ أيعقل أن يعطي رجل كل هذه المبالغ ودون حساب ودون مقابل أكيد نحن أمام ملاك وليس بشر؟ فقلت لهم انتبهوا أنتم في حضرة زايد رئيس الدولة وهو لا أحد يسبقه خطوة في عمل الخير وهو ليس بحاجة لشهرة أو ورقة تثبت ما يقدم من خير فهو زايد الخير.
الإمارات قديماً وحديثاً
من كان يأتي إلى بلادنا قديما لم يكن يرى إلا بيوت الشعر وبيوت الخوص والرمال تسور المنطقة وكانت الرحلات طويلة والمسافة تقطع على ظهور الجمال، ولم تكن هناك سيارات تذكر، وكانت الجمال وسيلتنا للتنقل بين قرى المنطقة، وكانت الرحلة بين العين وأبوظبي تستغرق ستة أيام، والناس يسافرون في قوافل، لأن السفر كان محفوفاً بالمخاطر.
ويكفي أن تهب الرياح القوية لتقطع على الناس سبل الطريق، لكن النجوم ومعالم الرمل والشمس والقمر كانت ترشدنا، ولم يكن غريباً أن يموت بعض الأشخاص وخاصة المسنين .
وهم يسافرون في الصحراء بسبب المشي في الشمس اللاهبة والمناخ القاسي، وقتها كنا نعتمد في معيشتنا وكغالبية أهل المنطقة على تربية المواشي والذهاب إلى رحلات الغوص، لنحصل على مردود يكفينا، وفيما يتعلق بالمأكل والمشرب كان أكلنا يقوم على الزراعة، ويرتكز على أكل التمر، وشرب حليب النوق، فالنخيل والجمال كانت قوام حياة البدو، أما الذين يقطنون بالقرب من ساحل البحر فحياتهم كانت تعتمد على المراكب الخشبية، وصيد السمك، والبحث عن اللؤلؤ في أعماق البحار.
ففي ذلك الوقت لا توجد شوارع ولا ماء ولا أي وسيلة من وسائل الرفاهية والراحة في السفر ليس بين الإمارات، بل بين بعض مناطق الإمارة الواحدة يحتاج مشقة، فما بالك إذا كنت تريد التنقل إلى أبوظبي أو باقي إمارات الدولة.
ولكن عندما جاء زايد قرب المسافات، وأصبحت أرجاء الدولة المترامية كأنها بيتك والحمد لله فزايد أينما حل، حل معه الخير ،وإذا ارتحل عنا فهو باق بكل ما عمل باق بأبنائه:
سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، باق بروحه التي ترعانا وتطوف حولنا.
مهارة
زايد رام ماهر ولا يخطئ هدفا ،وأطباق الرمية لا تمر من أمامه دون إصابة ،وكان الصيد متنفسه لحبه للرياضة، ودقة بصره وثبات يده يساعدانه على النيشان وهناك أهداف صغيرة جدا لم تسلم من طلقاته.
50
زايد عمل لنا سباقات (ريس للرجاب) ،والناقة التي تسبق يعطيها 500 ألف إلى مليون درهم، تشجيعا لصاحبها ولهذه الرياضة، فالناقة التي تساوي 10 آلاف درهم وصلت إلى هذه الأسعار بفضل زايد والشيوخ وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وبفضلهم أصبحت الأسعار حتى 5 ملايين.
أعدها للنشر: عبدالمنعم الشديدي
