معاوية محمد نور غائب في مئويته الأولى

معاوية محمد نور غائب في مئويته الأولى

دعوات عديدة بذلها بعضهم للاحتفال بمئويّة الكاتب السوداني، معاوية محمد نور (1909- 1941)، بل كان أذيع أن لجنة تضم أسماء ثقافية مهمة، تكونت لهذا الغرض، ولكن مر العام وأعقبه آخر ولا شيء من ذلك تحقق!

ولئن بات في حكم العادة أن تتجاهل أو تجهل وزارة الثقافة، مثل هذه المناسبات ومقاديرها الرمزية في الذاكرة الثقافية؛ فمن الغريب ألا تنتبه لها المؤسسات الثقافية الأهلية، مثل: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، اتحاد الكتّاب السودانيين، نادي القصة، وسواها. فعلى الأقل الأمر هنا يتصل بكاتبٍ لطالما تجمّلت هي بذكر اسمه، وقالت بعبقريته في محافلها وخطاباتها المناسباتية!

فكان يمكن الوقوف لحظة في أثر صاحب «يا أصدقائي الشعراء هذا لا يؤدى»، إحياء لإرثه النقدي والقصصي، ولفتا لأنظار العالم إلي ريادته في إثارة العديد من الأسئلة النقدية الكبرى، وذلك لمبدع وصفه العقاد بأنه لو لم يمت مبكرا «لكان نجماً مفرداً في عالم الفكر العربي».

وما قدمته المكتبة السودانية حول سيرته قليل لا يكاد يذكر، وما تم إعداده من ميراث الرجل في الكتابين المعروفين حوله، ليس كافيا؛ ففي مقدمته، يذكر الطاهر محمد علي في كتابه «دراسات في الأدب الحديث..من مؤلفات معاوية محمد نور»، أن ما جمعه يمثل «قطرة من نبع كبير»، ويضيف: «وليس من السهل الإحاطة بما كتبه في مجلد أو مجلدين...». والعبارة ذاتها يكررها رشيد محمد عثمان في كتابه لكتاب «مؤلفات معاوية محمد نور..في الأدب والنقد».

وفي هذا إشارة إلى غزارة إنتاج نور، كما أنه بالإمكان أن نرى في إقرار الكاتبين بالعجز، دعوة إلى جهد مماثل يلم ما تبقى من ما نشره صاحب «مدينة السراب»، لكنه يكشف قبل كل شيء قصور الجهد الفردي، ليس فقط في اللملمة الشاملة، وإنما في فتح الإنتاج المتعدد الغزير على قراءة نقدية متعمقة. وها هو رشيد محمد عثمان لا يبدو راضياً عن منهجه في الكتاب حول معاوية.

وقد نبه إلى أهمية وثراء فكر هذا المبدع الكاتب عبدالعزيز حسين الصاوي، الذي كان سبّاقا في لفت النظر إلى المئوية؛ إذ قال: «التناقض الفاجع بين عقل هو التحضر والاستنارة بعينهما، ووفاته فاقد العقل وهو يُعالج بأكثر الوسائل بدائية»، فعندما اشتد المرض «العقلي» على معاوية، وبعد أن استنفدت أسرته كل الخيارات، عرضته على «فكي» أملا في علاجه بما أوتي من قوة خارقةـ كما يعتقد قومه ـ ولكن هذا «الفكي»، ..لما لم يجد علاجه فتيلا، أخذ يمزق جسده بالسياط زاعماً انه يخرج الأرواح الشريرة القابعة في جسده ...».

وازدادت حالته العقلية والبدنية سوءا، وما لبث أن رحل في أواخر 1941. ويمكن القول إن الشاعر محمد عبد الحي( 1944-1989) افتتح الوقفات النقدية المهمّة والمتيسرة حول آثار معاوية، كاشفاً عن أسبقيته في تقريب الأفكار النقدية لـ تي أس اليوت(1888-1965 )، وكذا الشعر الانجليزي إلى الساحة الثقافية العربية.

وكذلك فعل عبدالمنعم عجب الفيا. وأما الناقد عبداللطيف علي الفكي، فقد رأى أن يقدم ريادة نور في التكريس للقصة القصيرة، عبر دراسة معمقة يلتقي عنوانها مع سؤال جان بول سارتر: «ما الأدب؟»، وكذا يرى الناقد معاوية البلال أن معاوية نور كان سبّاقاً في الإمساك بالظاهرة المكانية وإدراك فعاليتها.

وأما الطيّب صالح فقدم بأسلوبه القصصي المميز لكتاب «معاوية نور»،الصادر 2006، عن مركز عبدالكريم ميرغني للكاتب لسني بانقا، وبطريقة وصفية دقيقة، رصد المشهد السياسي والاجتماعي لفترة الثلاثينات، وقارن معاوية نور، ببعض الأسماء الوطنية، ومن ما قاله صالح أيضا: «كان على حداثة سنه، كما يظهر من مقالاته واسع الاطلاع، معتداً بنفسه، ثاقب الرأي في كثير من الأمور، جريئاً لا تخيفه الأسماء الكبيرة.

وقد قارع كبار الأدباء في مصر فثبت لهم. تصدّى لـ طه حسين وزكي مبارك وسلامة موسى ومحمد حسين هيكل والمازني وأضرابهم...». ويضيف صالح: «ومقابلته مع الكاتب الفرنسي أندريه موروا، التي نشرتها مجلة «الهلال» عام 1932، لعلها من أوائل المقابلات الأدبية في الصحافة العربية، إن لم تكن أولها...».

الخرطوم - عصام أبو القاسم

طباعة Email