عادت المهندسة المعمارية العالمية زها حديد إلى الواجهة مرة أخرى عندما كرمتها مؤخراً منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» ضمن فنانيها من أجل السلام، ذلك الذي لم يعرفه بلدها منذ أكثر من ثلاثة عقود مضت. فهي تفتخر أن تكون امرأة من وادي الرافدين، أتقنت هندسة برج بابل، وطافت به في أنحاء العالم.
خيالها يسبح في الغيوم، تعيد أمجاد حمورابي في العمارة من جديد لمساتها المعمارية غطت مساحات شاسعة من العالم. هكذا فرضت نفسها، باعتبارها أحد بناة العالم، على الرغم من أن بعض مشاريعها قد لاقت الرفض في بادئ الأمر. حيث مزجت بين العمارة والمسرح والأثاث والأزياء. ثمة فلسفة تكمن وراء الأحجار التي تضعها على الورق، فقد انتظرت اثني عشر عاماً لكي يتقبل العالم مشاريعها، التي تسعى إلى الحديث دون رفض التراث.
ولعل أكثر مشاريعها غرابة وإثارة للجدل، هي: مرسى السفن في باليرمو، والمسجد الكبير في ستراسبورغ، ومتحف الفنون الإسلامية في الدوحة، والجسر الحديث في أبوظبي، والمتحف الوطني للفنون في روما، ومحطة نابولي، وهيئة السوق المالية في مرسيليا، ومرفأ ساليرنو، وكايرو أكسبور سيتي، ومتحف غوغنهايم في تايوان، مركز روزنتال للفن المعاصر في الولايات المتحدة، الملعب الأولمبي في لندن وغيرها التي لا تزال تحيّر المختصين والمعماريين العالميين.
إن أفكار والدها، السياسي المعروف، وآراءه في التصنيع، وتأميم النفط واستقلال العراق، أثرت على آرائها، ودراستها في كل من انجلترا وسويسرا جعلها تختلط بثقافات أخرى. منذ عمر السادسة، بدأت تستوعب العمارة من حولها حين كان والداها المحبان للعمارة يصطحبانها إلى معرض خاص بـ (فرانك لويد رايت) في بغداد. وقبل ان تدرس الهندسة المعمارية، درست الرياضيات في الجامعة لأميركية في بيروت عام 1986، ربطت بينها وبين الفلسفة والفيزياء.
ولم يكن من السهل تقبل أفكارها المعمارية، فظلت لسنوات طويلة تكافح في طرح مشاريعها إلى أن تغير الزمن وتقبلتها المؤسسات المعنية لأنها كانت تعتبرها كانوا تصاميم من (عمارة على ورقية)، غير قابلة للبناء والتنفيذ أبداً. ولا تزال أشكالها المعمارية تثير زوابع الجدل والنقاش.
وبسرعة فائقة، انتقلت زها حديد من طالبة مجهولة إلى (ديفا جديدة لفن العمارة)، كما وصفتها مجلة يو اس. ديساين عندما فازت بتصميم مشروع (ذي بيك) في هونك كونغ عام 1983. ومن ثم حصولها على جائزة بريتزكر للعمارة وهي تماثل جائزة نوبل وأصبحت أول امرأة تحصل عليها.
وشهادات تقديرية من أساطين العمارة مثل الياباني كانزو تانك. أعمالها تثير القلق وعدم الاستقرار للوهلة الأولى، لأنها تسترسل إلى أشكال لا متناهية، تعكس الخلفية الإسلامية لنشأتها بين الفضاءات الداخلية والخارجية للعمارة الإسلامية، الممزوجة بالخط العربي والتجريد الزخرفي. هذه العصارة هي زها حديد، وعبر هذا الفن، تسعى إلى صياغة العالم بأناملها التي تربط بين الشرق والغرب، وبين التراث والحداثة، وبين الواقع والخيال.
شاكر نوري
