كان من الممكن أن تكون الموناليزا امرأة مغمورة عاشت ورحلت، لولا أن الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي جسدها في لوحته، لتصبح من أشهر النساء على مر العصور.
وهو ما فعلته لوحات فنية أخرى ساهمت في انتشال شخصيات كانت مغمورة، لتصبح بواسطة ريشة الفنان حالة أسطورية، كونه احتفظ بجاذبيتها وجمالها فنا، قبل أن تتلاشى معالمها تحت وطأة السنين، وجوه كثيرة من عهود غابرة مثلت في معظم الأحيان شخصيات شهيرة، أو شخصيات احتلت مكانة اجتماعية مرموقة.
وتبدل الأمر في الزمن المعاصر، وأصبح الموديل حرفة يمتهنها البعض، وإن كان أغلبيتهم من النساء، وهنا تحضر لوحة الأولمبيا للفنان الفرنسي إدوارد مونيه والتي استعان فيها بموديل لامرأة حسناء تتكئ على وسادة حريرية، ومن خلفها وصيفتها التي تقدم لها باقة من الزهور، وتحت قدميها قطة سوداء تعبر كما قال الشاعر بودلير عن كل الغرائز والنوازع الشيطانية.
هذا ما يقودنا للتأكد من أن وراء آلاف اللوحات الموزعة في المتاحف آلافاً من الوجوه النكرة، التي لا يعرف الناس عن أصحابها شيئا، فهناك نساء جلسن لساعات طويلة أمام الفنانين لتجسد شخصية أسطورية قديمة، وذلك لتطابقها مع خيال الفنان، مثل إليزابيت سيدال إحدى أهم الموديلات.
فقد وقفت إليزابيث ابنة صانع السكاكين ذات الجمال الخارق، أمام عدد من الفنانين يستوحون من جمالها ملامح بطلات الأساطير والتاريخ القديم، قامت بدور سيلفيا أمام الفنان هولمان هنتس، وأوفيليا أمام ميليه وبياتريس أمام روزيتي.
وغيرها الكثير مثل سوزان فالادون التي قدمت إلى باريس، وهي طفلة في صحبة فرقة من الممثلين المتجولين، ثم احترفت بعد ذلك مهنة الوقوف أمام الفنانين إلى أن اكتشف أحدهم موهبتها الفنية وشجعها على المضي في ممارسة التصوير فبرعت فيه وتوثقت علاقتها مع براك وديران، وبيكاسو وغيرهم من رواد الفن.
وما زال إلى يومنا الحاضر، يطلب من دارسي الفن، أن يقوموا برسم موديل أمامهم، ويستعيضون عن هذا أحيانا بالتماثيل، أو الطبيعة الصامتة، وعند ممارسة الرسم بشكل عام، استغنى الفنانون عن الموديل بصورة فوتوغرافية، في معظم الأحيان، ولم يعد هناك إقبال كبير على الجلوس لفترات طويلة من أجل أن تتجسد الشخصية فنا، بسبب ظهور الكثير من برامج الفوتوشوب التي تمنح الصور شكلا جديدا، إضافة إلى ظهور مدارس مختلفة أدت إلى أن يرسم الكثير من الفنانين وجوها لا يجدها المشاهد في الواقع، بل هي وليدة خيال الفنان.
أبوظبي - عبير يونس
