تعتبر الفترة الراهنة فترة مثيرة بالنسبة لصيادي الكواكب من الفلكيين. فمنذ بضعة أشهر فقط، بدأ التلسكوب ناسا الفضائي الجديد «كيبلر» باختلاس النظر إلى أقاصي الذراع اللولبي لمجرتنا بحثاً عن كواكب غير مكتشفة تدور حول نجوم بعيدة - أي بحثاً عن عوالم لم نكن نعلم بوجودها. ولقد تمخض عن هذا البحث بضع مفاجآت حتى الآن، فأحد العوالم الغازية الجديدة المكتشفة - كيبلر 7ب - يبدو منتفخاً جداً لدرجة أنه ليس أكثر كثافة من رغوة الستيروفوم.
وهناك أيضاً كوكب آخر يدور على مسافة قريبة جداً من شمسه لدرجة أن سطحه يتسم بالنشاط البركاني المتواصل، وتنتشر فيه محيطات الحمم البركانية.
وقد دفعت هذه العوالم الجديدة الغريبة علماء الكواكب إلى إعادة النظر في نظرياتهم العلمية حول كيفية تشكل وتطور الكواكب. وأكثر من ذلك أنهم يعتقدون بأن ما اكتشفه كيبلر إلى الآن ليس سوى غيض من فيض، وإننا سنكتشف قريباً بعض العوالم العجيبة حقاً في أصقاع مجرتنا. ويعود الفضل في فهمنا لتنوع العوالم الفضائية من حولنا إلى التقدم الأخير في تكنولوجيا التلسكوبات.
ويتم الآن تركيب أدوات حساسة جديدة على المراصد الأرضية الحالية، كما يتم إطلاق التلسكوبات الفضائية المتخصصة في البحث عن الكواكب مثل كيبلر. ومنذ اكتشاف أول كوكب يدور حول نجم آخر خارج مجموعتنا الشمسية قبل 15 سنة اكتشف العلماء حتى الآن أكثر من 400 كوكب من هذا النوع.
ونحن نعتقد أن لدينا فهماً جيداً لكيفية تشكل الكواكب في نظامنا الشمسي.
لكن علماء الكواكب، في أعقاب الاكتشافات الأخيرة، بدؤوا يتساءلون ما إذا كانت هذه العملية ثابتة أم أن لها أشكالاً مختلفة في قطاعات مجرتنا المختلفة. ما الذي سينتج لو تشكلت الكواكب من قرص لولبي من الغاز والبخار بتركيبة كيميائية مختلفة قليلا أو لو كانت الديناميكيات المدارية لمنظومتنا الشمسية مختلفة؟ هذه الأسئلة حول ولادة أنظمة الكواكب يتم الإجابة عنها الآن بواسطة نماذج تمثيلات حاسوبية قوية عن طريق تعديل الظروف الأولية لنشأة الكوكب، ومن ثم إعادة العملية لرؤية ما الذي سينبثق عنها.
ومن العوالم الغريبة التي تنبثق عن تلك الأعمال الحاسوبية الكوكب الكربوني. فمن خلال تغيير الكميات النسبية للكربون والأكسجين في المزيج الأول الذي يولد منه الكوكب، تتغير الطبيعة الكيميائية للشكل النهائي للكوكب بشكل جذري، ومن شأن أي كوكب أغنى بالكربون من الأرض أن يمتلك قشرة خزفية مقاومة للحرارة وغلاف خارجي كامل من الماس المتشكل تحت درجات الضغط العالية في باطن الكوكب.
يقول مارك كوشنر في مركز جودارد الفضائي بوكالة ناسا:
«ربما تكون الكواكب الكربونية على نطاق واسع في أنحاء مجرتنا. حتى إن البعض قد أشار إلى أن قلب كوكب المشتري قد يكون كوكباً كربونياً. وعلى مدار الدورات المتعاقبة لولادة وموت النجوم فإن سحب الغاز والبخار التي تتشكل منه الأنظمة الشمسية الجديدة تصبح غنية بالكربون بشكل متزايد.
ولذلك يمكننا أن نتوقع العثور على المزيد من العوالم الكربونية كلما اقتربنا أكثر من مركز المجرة الذي شهد ولادة عدد اكبر من النجوم.» وتظهر الأعمال الحاسوبية أن نوعاً غريباً آخر من الكواكب ربما يكون شائعاً أيضاً، وهو ما يعرف بالعوالم المائية.
فلقد ولدت الأرض في المنطقة الداخلية الجافة لمجموعتنا الشمسية، حيث كانت الحرارة الناتجة عن تشكل الشمس كفيلة بتبخير العناصر الطيارة مثل الماء من الغبار الذي تتشكل منه الكواكب إذاً فالأرض كانت جافة في البداية، والمحيطات تشكلت لاحقاً بفعل المذنبات والكويكبات السيارة الجليدية التي كانت قد تشكلت في مناطق أبعد في عمق المجموعة الشمسية. ويقول كوشنر» أن الكوكب المولود على التخوم الخارجية لنظام شمسي آخر يتشكل بكميات كبيرة من الثلج.
وإذا هاجر هذا الكوكب لاحقاً إلى مدار أقرب إلى نجمه فإن القشرة الجليدية ستذوب مشكلةً محيطات عميقة.» وقد وجدت الأعمال الحاسوبية لعملية تشكل الكواكب أساليب متنوعة لإنتاج العوالم المائية، لذلك فإن الكواكب الصخرية كالأرض، والتي تحتوي على كميات معتدلة من المياه، ربما تكون استثناء عن القاعدة، وليست القاعدة في مجرتنا.
ولكن كيف يمكننا أن نجزم بوجود هذه العوالم النظرية؟ لا شك أن اكتشاف عوالم جديدة يمثل بداية جيدة، غير أن الخطوة الحاسمة هي محاولة استنباط شكل وتركيبة تلك العوالم.
وهنا يأتي دور المراصد الحديثة وتجهيزات التلسكوبات المتطورة القادرة على تحليل الأغلفة الجوية للكواكب الغازية العملاقة، والتعرف على محتوياتها من الجزيئات الكيميائية المختلفة.
كما سيتم في 2014 إطلاق تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي الذي سيمكننا من قراءة التركيبة الكيميائية للكواكب الصغيرة المجاورة للأرض، على نحو ربما يكون له دلالات واضحة على وجود المحيطات وربما الحياة في عوالم أخرى بمجموعتنا الشمسية.
