جاء من أرض كانت بعيدة ..هناك حيث بقايا أقدامه لاتزال على رمال شواطئها وجبالها..لم تمحوها أمواج البحر العاتية وتقلب الأجواء وتغير الأيام ..فهنا كان يرسو قارب جده وبذلك الطرف تشمخ البراجيل التي تترقب الرحيل والاتيان..

وشمس اللقاء التي لم تغب من ذاكرة الوجدان .. فهل يمكن للزمان أن يترك في ذاكرتنا بصمته الخالدة لو لم تكن فراديسه مخضلة بإيقاع الطيبة والجمعة والتعاضد أو إن لَم تكن الهمة قوية للتخلص من الصلة الأزلية بمارد الجهل والقضاء عليه فالحزن الملفع بالخيبة والنكوص داخل الذات يحتاج مواجهة واعية لملامحه الكالحة وأكفه الصفراء المتربصة بأحلامنا وأحبتنا لذلك جاء قرار شيخنا الحكيم بحبس كل ولي أمر لا يدرس ابنه فهل لهذا الزمان الجميل ان ينسى هيهات هيهات .

انه ضيفنا الطبيب والعسكري د. مصبح عبيد جاسم يحدثنا بكل ما تفيض به الذاكرة قائلا: انا من مواليد 1953 من إمارة أم القيوين درست في مدرسة الأمير بأم القيوين التي بنتها دولة الكويت.

درست الابتدائي والمتوسط تخرجت في المتوسط 1967 ثم انتقلت لثانوية دبي ونظام المعلمين وفرضت الظروف علينا الدراسة معلمين وذلك لحاجة البلد لشغل هذه الوظيفة لصعوبة جلب معلمين من الخارج أكملت سنة ثانية معلمين .

وفي داخلي رغبة لدراسة الثانوي العلمية ودراسة الطب واعتذرت عن دراسة ثانوية المعلمين وبقيت ابحث عن الدراسة أتيحت لي فرصة قبل قيام الاتحاد للدراسة في الثانوية العامة علمي في أبوظبي ذهبت للمقابلة وقبلت بشرط أن انزل صفاً إلى الوراء لدراسة المواد العلمية درست الثانوي العام في مدرسة جابر بن حيان وكان عدد الطلبة 19 طالبا .

وحصلت على المركز الرابع وكان معي مجموعة من الطلبة المواطنين والأجانب ومنهم الان من يشغل مناصب كبيرة في الدولة وفيهم سفراء، بعد ذلك حصلت على بعثة من حكومة أبوظبي، وهي تعطى للمتفوقين ذهبت للقاهرة مع بعض الزملاء المتفوقين.

ومنهم خليفة شاهين المري والأخ جمعة راشد لم يكمل معي الطب كانت القاهرة الوجهة الحقيقية لدراسة الطب وكانت الدراسة قوية عملياً وعلمياً تخرجت 1978 وحصلت على تقدير جيد تمنيت ان يكون تقديري أعلى .

ولكن ظروف زيارة السادات للقدس أثرت عليّ وعلى غيري وكنت الوحيد الذي حصل على هذا التقدير أكملت دراستي في مستشفى الحسين التخصصي التابع للأزهر عدت سنة 1981 وبحثت عن العمل والتحقت بالقوات المسلحة طبيب ممارس جراحة.

الحاكم درس الأبناء رغما عن الأهل

المناخ التعليمي كان بإصرار حاكم الإمارة المغفور له أحمد بن راشد المعلا وكان يصر على من عمره 6 ـ 7 سنوات أن يدرس رغماً عن الأهل الذين كانوا يرفضون تدريس الأبناء لحاجتهم لعملهم.

كانت هناك تعليمات من الحاكم بسجن أي أب يرفض تدريس ابنه بدأنا نتعلم ونؤدي الواجبات تجاه الأهل وندرس صباحا ومساء ننزل البحر مع الأهل لذلك لم يكن هناك الجو الجيد للمذاكرة ولكن حب التعليم موجود لكل الطلبة وكانت أحلامنا كبيرة.

تمنيت العمل معيدا

قدمت في جامعة الإمارات وكانت الجامعة محتاجة لمعيدين. طالت فترة الطلب قال لي احد الأصدقاء تعال واعمل في الجيش وفعلاً عملت في مستشفى القوات المسلحة أول مستشفى اسمه مستشفى آل نهيان. وبقيت في قسم الجراحة عاماً ثم بعثت إلى بريطانيا للدراسة بكلية الجراحين بقيت سنة بعدها بعام وافقت الجامعة على تعييني معيداً لكن الجيش رفض لأن عدد الأطباء في الجيش قليل.

زايد أمر بإرسالي لباكستان

بعد ذلك غيرت تخصصي من الجراحة إلى الأمراض الصدرية في العام 1986. وخلال وجودي في مستشفى الفلاح ابتعثت لباكستان لدراسة تخصص الصدرية كان هذا التخصص بموافقة شخصية وأمر من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان التحقت بجامعة كراتشي وأخذت تخصص دبلوم عالي أمراض صدرية وسل.

ومارست العمل وعينت نائب قائد المستشفى والأمور الفنية تحت إدارتي والإدارية تحت قيادة قائد المستشفى بقيت في المستشفى لغاية العام 1990 التحقت بدوره ماجستير الطب العسكري في مصر وهي من أرقى أماكن الدراسة الأكاديمية العسكرية درست سنتين وكنت الوحيد الذي حصل على امتياز كانت رسالتي تدور حول علاجات الإصابات الكيماوية. وكانت أول دراسة أكاديمية تبحث في هذا الموضوع واعتمدت أيضاً كمرجع أساسي للأكاديمية.

الأول في كلية القيادة والأركان

رجعت بعدها وانتقلت إلى أبوظبي في المستشفى العسكري نائباً للمدير للخدمات الطبية بقيت 3 سنوات بعدها انتقلت لدراسة الماجستير للعلوم العسكرية في كلية القيادة والأركان والدراسة صعبة جداً لأنني طبيب وكنت مع قادة ألوية وجيوش متمرسين في العمل العسكري ولم تكن خبرتي عسكرية ولكن هذه رغبة سمو الشيخ محمد بن زايد ال نهيان أن أدخل قيادة الأركان وبذلت جهداً كبيراً في تنمية المعلومات العسكرية لأصل إلى مستوى الذين كانوا معي في الدورة .

حيث كنت أجهل كل العلوم العسكرية ولا أفقه شيئاً وخلال الشهرين الأوليين لم أكن أنم سوى ساعتين حتى أصبحت على مستوى من معي وتفوقت وحصلت على المركز الأول على جميع من كان معي في الدورة منهم من درس في باكستان العلوم العسكرية وآخرون خريجو سانت هيرست في بريطانيا. وكرمت من قبل صاحب السمو الشيخ خليفة.

الادارة فن

عندي قناعة أنه يجب أن يقدم العلاج على المستوى الذي يرضي المريض. وهذا يلزم أن نكون مجموعة أو «غروب تيم» فيجب على الطبيب البحث عن العلوم الطبية لذلك خلقت حالة من الهدوء للأطباء وصنع علاقة ودية بينهم للتشاور فيما بينهم، فإذا ما عالجت مريضا او حالة مستعصية كانت هذه فرحتنا جميعاً.

وكنا نعالج من المدنيين برحابة صدر وكثيراً ما نعمل فحص في مشفانا ونرسلها لمشفى آخر. وكنت أؤكد أن الطبيب ليس عليه تأدية عمله كواجب بل كمهنة.

اختصاص نادر

اختصاص الطب العسكري أو ممارس الميدان تخصص بإصابات الميدان بجميع الأسلحة الكيماوية النووية التقليدية. حتى الجنود يمرضون أمراضا عادية ولكن اختصاصنا بإصابات الميدان الإصابات النووية تدرس بالطب العسكري لكن بحثي العلمي عن الإصابات الكيماوية.

لأنه بذلك الوقت كانت الظروف تملي علينا دراسات هذا الاختصاص لعدم وجوده محلياً وخليجياً وعربياً. فحقيقة الإصابات الكيماوية تختلف على أرض الواقع عما يفهمه أو يسمع به الشخص العادي، وفي العلاج أو الدفاع الكيماوي يبنى على أساس المعرفة العلمية بالسلاح المستخدم، فمعظم الجيوش لا تعرف ماهية السلاح.

مشرف البحث خبير

كان المشرف على بحثي واحد من خبراء الأمم المتحدة في مجال الحرب الكيماوية وهو يحكم في استخدامات هذه الأسلحة في منطقة لاوس في كمبوديا. وكان رئيس المجموعة التي تحققت من استخدام هذه الأسلحة في كمبوديا. وكنت على اتصال كبير به ومتعاون معه، وعندما رجعت إلى القوات المسلحة عملت على تطبيق ما درست بالطريقة العلمية وليس العشوائية.

وسام التحضير

لم أشارك في الحرب أيام الغزو العراقي للكويت بل شاركت في التحضير الذي أخذ وقتاً كبيراً. وعلى ضوئها منحت وسام التحضير لتحرير الكويت.

القطاع الخاص مخيف

بالنسبة للقطاع الخاص فكرت بعد التقاعد بعمل دراسة في أم القيوين ونتائج الدراسة بالنسبة للعمل الطبي جاءت غير مشجعة لوجود العدد الكبير من المشافي الكبيرة والمتوسطة والمراكز والعيادات وهذا العدد لا يتوازى مع حجم السكان في كل إمارة.

لذلك لابد لتحقيق ربحية يجب أن يتجه الشخص للعمل التجاري ولكنني كطبيب أرفض هذه الأرباح المبنية على الطرق غير السليمة. لذلك كون حجم السكان قليلا وعدد المؤسسات العلاجية الخاصة كبيرا بحيث لو تم تقسيم عدد السكان على المشافي والمراكز والعيادات سيكون نصيب الواحدة حوالي 100 شخص.

الربحية والمرض

العلاج في المشافي الخاصة بقناعتي لا يوجد به ربحية ولكن كيف والأساليب التي يحققون بها أرباح لا أدري بها. ورأيي لا توجد جودة طبية في القطاع الخاص وهذه نتيجة عدة عوامل أهمها الربحية وثانياً لا توجد مؤسسات رقابية لتحكم المستوى المطلوب للخدمة والمستوى الذي يرضي المريض وكذلك لا توجد مؤسسات اعتراف التي تقيم الخدمة أي الدفع حسب الجودة.

تقييم المؤسسات

المعايرة في الخدمة هي التي تقيم المؤسسات لأن معظم أصحابها أجانب وهي غير قائمة على الاستمرارية كالتي يملكها المواطنون.

وكل المؤسسات تنتمي كما أسلفت لأشخاص خارج البلد، كذلك النوع الثاني هو عدد السكان لأن القطاع الطبي أغلى القطاعات استثماراً ومردوده بعد سنوات لذلك اتجه معظمها إلى الربح السريع.

الخصخصة لا تجدي

خصخصة العلاج طرحت منذ زمن ولكن لم تنفذ وأنا لا أحبذ الخصخصة لعدة عوامل أهمها لم تقم كليات الطب في الإمارات بتخريج الاستشاريين والباحثين في المجال الطبي الذين يبدأون بتكوين أساس الطب الحديث. والعاملون كلهم أجانب فالخصخصة لن تقدم ما هو أفضل سوى أن أجورها ستكون عالية على الكل.

الدولة والصحة

أموال كثيرة صرفتها الدولة على الصحة ولكن الناتج أقل من المستوى المرضي سواء للطبيب أو المريض ويعود ذلك إلى نمط الإدارة والنظرة المستقبلية للطب والقدرة على المتابعة وخلق التكنولوجيا والأجواء العلمية. عندنا أحدث المعدات لكن قضية إخراج المردود منها غير موجود.

الاتحاد انجاز عظيم

قيام الاتحاد انجاز عظيم.. عشنا الفترتين الحياة قبل الاتحاد صعبة التعليم صعب جني الرزق صعب الناس تهجر البلد للعمل أو للعلم ونادراً ما تجد متعلماً، ولكن جاء الاتحاد ليخلق كل مقومات الحياة وفرص التعليم والصحة والإسكان والشؤون الاجتماعية البنيان العمراني البنى التحتية.

أم القيوين سميت كذلك لوجود قوتين قوة برية متمثلة في البدو وعددهم كبير وعندهم ابل كثيرة وكانت هناك أيضا قوة بحرية مكونة من سفن كبيرة تذهب للغوص وهذا ما فسره لنا الآباء والأجداد.

الاتحاد أعطى كل شيء وبقي الجانب الآخر وهو المواطن وبنظري ابن البلد لم يعط على قدر ما أخذ ولكن بوادر الانجاز بدأت الآن من خلال التعليم الإنجاز التجاري والاقتصادي وكانت متباطئة في بداية الدولة، وهذا نتيجة ظروف مرت بها المنطقة كلها .

لجنة قومية

أتمنى تكوين لجنة قومية لرسم استراتيجية التعليم هي أيضاً مفتاح النظر للمشاكل الاجتماعية والتركيبة السكانية واتجاه التعليم إلى العملي والمهني وزيادة الحاجة للعمال وتدريب المواطنين لشغل المجالات يقلل من الاعتماد على العمالة الوافدة واختيار نوعها سواء عربية أو أجنبية سواء كانت اقتصادية تقنية بنائية.

فإذا تم دراسة حاجة البلد والسوق إلى الكوادر وعلى ضوئها وزعت نسب معينة من حصيلة التعليم على هذا الحاجات قل الاعتماد على العمالة .

الأمراض الدخيلة تقلقني

الظاهرة الصحية تقلقني مثل الأمراض السرطانية المنتشرة بأعلى من النسبة الحقيقية في سنة 1980 كانت الإصابات السرطانية قليلة وعندما تأتينا حالة في معدل ست أشهر كنا نعمل عليها الدراسة، أما اليوم كل يوم يوجد حالة وهي شبه خارجة على المعدل المقبول ولابد من دراسة لمعرفة الأسباب واعتقد أن أسبابها خارجية وليست وراثية.

كذلك الأمراض المعدية وهذه ظاهرة موجودة وانتشرت بحالة كبيرة ومنها مرض الكبد بي وهو ينتقل بالدم وليس بالهواء أو الأكل توجد نسبة عالمية 30% بين السكان.

والدي كان شاعراً

والدي كان متحدثاً وشاعراً بالفطرة وله أشعار وطنية على أيام الاحتلال الانجليزي للبلد وله شعر غزلي.وبالنسبة للحكام كلهم إفراز لهذا الشعب الطيب وكان المغفور له الشيخ زايد سهل الوصول إليه سهلة الشكوى له لا موانع وحجوزات وكان رده بالكرم والعفو والتشجيع . وأنا عندما كنت أتي من أبوظبي أو مصر أذهب للسلام على المغفور له الشيخ أحمد بن راشد المعلا وأجلس عنده يسأل عن كل الأحوال وصعوبات الدراسة، فلم يكن موجود البعد عن القيادة.

ولا توجد ضغوطات داخلية، وهذه الخطوة ستدفع الشباب للعمل الجاد والتلاحم مع القادة رغم ان هذا التلاحم موجود حتى قبل الاتحاد.

جاء الاتحاد، زاد التلاحم وعملية المشاركة الفعلية في رسم السياسة للدولة وإحساس المتعلمين والمثقفين في القدرة على العطاء والمشاركة في العملية السياسية خطوة مقدرة لصاحب السمو رئيس الدولة من عامة الشعب.

1986

غيرت تخصصي من الجراحة إلى الأمراض الصدرية في العام، 1986 وخلال وجودي في مستشفى الفلاح ابتعثت لباكستان لدراسة تخصص الصدرية، كان هذا التخصص بموافقة شخصية وأمر من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

الأول

انتقلت إلى أبوظبي في المستشفى العسكري نائباً للمدير للخدمات الطبية. بقيت 3 سنوات بعدها انتقلت لدراسة الماجستير للعلوم العسكرية في كلية القيادة والأركان والدراسة كانت صعبة جداً لأنني طبيب وكنت مع قادة ألوية وجيوش متمرسين في العمل العسكري.

أعدها للنشر ـ عبد المنعم الشديدي