يتفق اغلب من تناولوا رواية «قلب مفتوح» للشاعر والصحافي اللبناني عبده وازن، التي كتبها تحت تأثير عملية القلب المفتوح التي خضع لها على انها نص مفتوح، ولهذا لم يحمل الكتاب بجوار العنوان تصنيف رواية، وهو نتيجة الحس الادبي، الذي يبدو أنه أجبر وازن على الذهاب الى اختيارته، فهو عمل أدبي أقرب الى السيرة الذاتية يسيطر عليه ضمير المتكلم ويتوحد فيه اسلوب الراوي الذي لا يبتعد ولا ينفصل عن الكاتب.

وكمن يتحدث بلا صوت ينقل عبده وازن قارئه الى جرف سؤال حاد حول وجود الانسان بين جراح الحياة وجراح الموت، عند نقطة التلاقي التي تنفلش عندها الاشياء، بما فيها المنطق، منطق الحياة ومنطق الموت.

«كنت افكر في الموت، فكرت فيه كثيراً، ولكن لم اخف، قوة ما كانت تنبض في، انها الحياة نفسها تندفع مثل ينبوع خفي، ايقنت مرة اخرى انني كائن ديني مهما ابتعدت او اغربت عن نفسي، مهما جدفت وهرطقت، ترسخ لدي هذا الاعتقاد اكثر فأكثر في تلك اللحظات الطويلة، هكذا كنت، هكذا ابقى، انني كائن ديني بالفطرة، كائن فتح عينيه على الموت، كائن كان الدين النسمة الاولى التي انسلت الى رئتيه، كائن لم يكن لولا المعجزة التي حفرت على جسده جرحها الأزلي، كائن ديني حتى في اللحظات التي كنت اشك فيها...

ولأن المأزق خطير، فإن كاتب بقامة عبده وزان وبثقافته، وباتكائه على خبرة مكتنزة، تنساب الكلمات مثلما الاحلام، يدخل وازن الى وجوده بين الاغماء والاغفاء والحلم والنوم، في حيرة وجودية وبرزخية، فهذه الحياة التي يحملها هذا الجسد الذي ينام عاجزا ومثقلا بالجراح ويمارس الخطر في لعبة قد تصل الى النهاية، هي التي ستدفعه الى كتابة نص يتكئ على ذاكرة ذلك الجسد وتلك الروح، التمسك الاعمى بقشة الحياة، الاستناد الى تاريخ الطفل الذي قاوم طيلة السنوات من اجل ان يكون، قيمته وحسرته وهو يقترب من النهاية..

يعترف عبده وازن في نص « قلب مفتوح» وبقلب مفتوح بتفاصيل حياته ومن حولها، والده، امه اخواته، بيته الاول، حبيبته الاولى، الحياة والنضال، الارادات والعزائم التي تمنطقها من اجل ان يكون ذلك الكائن الحي..

الان وهو في هذا النوم الذي لا يتمناه ،النوم الابدي الذي ينتظر فوق حافة سرير غرفة العناية المركزة، يشعل وازن ثقاب اللغة فيشتعل تنور البوح وتنفتح الذاكرةإلى مداها الأقصى، ومثل القلب الذي فتح بمبضع الجراح، وترك الجسد ممدا وحبسيا بانتظار العودة الى الحياة، يفتح الكاتب نصه على فضاء الذاكرة، منذ البدء، منذ حلم الحياة الاول، الطفولة، فهذا الجسد المسجى لرجل عبر على الدنيا عبر بوابات العمر المتعددة، هاهو يأتي الى نقطة البدء، الى المحطة الاولى.

فالاقتراب من الموت يسدل ستائر الحياة ويطفئ شموعها باكرا، والمتشبث بالبقاء أمام هذه القدرية المثالية، لا يمكنه الا استرجاع قواه، وكأن عبدو وزان يصارع الموت بكنز السنوات التي عاشها منذ طفولته الى لحظة الاستسلام، لهذا تسعفه الذاكرة بالشخوص، التي رسمت معه ملامح حياته، للتي اشعلت معه شموع الفرح..

وهكذا ينطلق نص «قلب مفتوح» من النافذة الصغيرة لسؤال البقاء ومقاومة الفناء، الى التمسك بمفاصل حياة مليئة بالحيوية والحب والاسئلة والمغامرات، وشيء من الملذات، الى حزمة انسان مشحون بالرغبة الوجودية.

«تعبر الذكريات عيني كغيوم في سماء زرقاء، ما الذي يجعل الذكريات تستفيق من نوم الاعوام البعيدة، الذكريات لا تنطفئ مهما عصفت بها رياح العمر، وذاكرة الماضي البعيد تظل هي الاقوى، انني اتذكر ماضي اكثر مما اتذكر الايام الاخيرة التي برحت، انني اتذكر الامس ولا اذكر ما حصل امس، الامس الذي هو الماضي، وامس الذي هو البارحة، انها فيلااللالا التعريف القادرة على هدم الزمن بلحظة وعلى جعل المجهول معلوما».

من تلك النافذة كانت تعبر الصور على صاحبنا المسجى على حافة الموت، تحت تأثير خدر الادوية، والعجز الجسدي، تعبر الصور أمام عين تحدق من وراء النافذة الى الحياة التي تبدو الان بعيدة، او من زاوية السرير الى أعلى السقف، حيث تمثل الذكريات حالة الصعود الى حافة بئر النجاة، يعبر الماضي كشريط سينمائي، يستعيد فيه وازن بلغة اعترافية شفيفة وشاعرية مؤثرة حكايته مع الحياة والبقاء والكينونة، وهذا الجسد الذي لعب به مبضع الجراح ووضعه على حافة المجازفة، فرسم به خطوط حولها الى جراح..

جراح خارجية، مادية، وجراح داخلية، معنوية، حيث يلعب وازن على دلالاته لعبة المبدع ويجعل اللغة تطوح بطائراتها الورقية في فضاء الرمز لتنبت الاحالات بناتها واخواتها ويتحول المعنى الى اصداء تفتح افق التخييل، وتجعل من الخاص عاما، وهي مهارة تحسب لهذا الاديب الذي ابدع اعمالا روائية في السابق كان لها تأثيراتها المهمة.

«لم اكن ابالي كثيرا بأحلام اليقظة او الاحلام المستيقظة، كنت الجأ الى هذه الاحلام في اوقات الصباح او في احايين القيلولة، بعد الظهر حين يلح النوم ولو انخطافا لدقائق، اغمض عيني واحلم، افرض على نفسي الحلم وارسم له ما يشبه السيناريو، وكأنه شريط بالابيض والاسود، حينا وبالالوان حيناً آخر.

تمضي رواية «القلب المفتوح» في هذا البوح المتدفق، هذيان رصين، مرصوف بألة الرؤية وبتحكم تام حتى في احلك الظروف التي تمر بها الحالة الفسيولوجية للكاتب، تحت تأثير جرح كبير في الصدر، وقلب لعبت في خلاياه اصابع الجراح، وادوية تكفي لجعل فيل ضخم يستسلم استسلاما تاما للهذيان والاسترخاء.. يصارع وازن حالته بقوة التذكر واستعادة ايام الحياة التي يريدها ويحتاجها الان، انه هذيان المطعون بنصل الموت.

وفي هذا قسوة على وجود الكائن، لكن بذكاء الاديب يذهب وازن الى توظيف احلك حالاته الصحية من ادل اشباع رغبة الابداع والحاح الفكر، انه يضع مسافة بين حالته الفيزيويولجية والسيكولوجية للتفكير من هذه النقطة بالذات، والاشراف على العالم والوجود منها انطلاقا الخاص الفردي الى العام الجمعي، فهذه ذات من الذوات تقرأ تاريخها الوجودي وتبوح بفلسفتها امام محك التهديد.

يقرأ وازن الحياة من حوله بأبعادها المختلفة، من قراءته لأحلامه وذكرياته والوجوه والاحداث التي عبر بها.. لهذا ستحضر المحطات الصغيرة والكبيرة في هذه الحياة التي يعتقد انها ستعلن نهاية شريطها السينمائي..

هاهو يتذكر الحرب الاهلية، يسأل اسئلته الصعبة..» كنت اكره البندقية الصغيرة التي كانوا يجبروننا على حملها وعلى تنظيفها على التدرب عليها رميا بالرصاص، كنت اكره الجزمة السوداء والثياب الخضراء والقبعة، كنت اكره فكرة العسكر، واذكر، يا للمفارقة، انني كنت في سيارة اجرة عندما اوقفنا حاجز حزبي «لئلا اقول: طائفي»، غداة اندلاع الحرب الاهلية، واذ نظرت وجدت الضابط الذي وبخني في المدرسة يقف قرب المقاتلين».

تمضي رواية «القلب المفتوح» في تقليب دفتر ذاكرة المريض المشارف على الخطر، الذي يصارع من اجل التشبث بالحياة عبر الكتابة واستغلال البوح، لكن في كل زاوية منها تستمر صور الموت في البروز والطغيان، سادلة سوادها في كل شبر من المكان، يسرد وازن سيرة الموت، عبر رحيل والده، عبر المآتم التي يتحدث عنها والجنازات والمقابر، يسردها بالتفاصيل الدقيقة.. انه انكشاف الكاتب، انكشاف الطفل لديه، الطفل الذي يستمر في الهذيان والصراخ والبكاء اذا ما ارتعب..

ويعترف في السطور الاخيرة » لا اعلم لماذا افكر في هذا السباق بين الكتابة والموت الآن، فيما انا جالس الى اوراقي، اتذكر ما اتذكر من اضغاث حياة، كانت حياتي بالامس وما ابعدها، كنت على يقين ان الكاتب لا يكتب الا ما قدر له ان يكتب». الا يبدو هذا تبريرا مخادعا لانكشاف مبدع قبض عليه متلبسا يبوح، ويعترف في لحظة من اصعب لحظات الوجود؟

يبقى هذا السؤال مشروعا امام «قلب مفتوح»، إذ أن وازن يذيل روايته بهذه التبريرات بعدما ارغمته التجربة القاسية التي فتح فيها قلبه بآلة حادة هي مشرط الجراح وسالت دماءه، وانتهك جسده بجرحين كبيرين واحد في الصدر والآخر في الساق.. الا يبدو التبرير محاولة للهرب من واقع اعترافات شفافة، فالقلب يبقى في حالة عذرية دائمة!

في آخر الرواية تأتي هذه السطور التي هي شهادة في صالح فعل الكتابة:«ماذا اكتب؟ لا ادري، اعرف انني اكتب، انني اعيش الكتابة، انني، انني بها اعيش وبها أميت .

دبي- مرعي الحليان