ما الذي يدفع شخصاً لأن يقطع أكثر من 600 ميل على أمل أن يلتقي وجهاً لوجه مع قطة برية؟ في الحقيقة تعاني القطط البرية في بريطانيا من تناقص كبير في أعدادها، وهذا ما دفع بالصحافي وخبير البيئة تشارلز إلدر لأن يقطع مسافة 640 ميلً، للتعرف بشكل أكبر على هذه الحيوانات، على الرغم من أنه ليس اختصاصياً بالقطط، بل هو خبير بالطيور، وعلى الرغم من أن القطط في بريطانيا تقتل سنوياً بضعة ملايين من تلك الطيور.
ويمتد خطر القطط الداجنة ليطال القطط البرية الاسكتلندية أيضاً، فالتزاوج العشوائي، الذي حدث بين تلك الأجناس عبر فترات طويلة من الزمن، يكاد يفقد القطط البرية هويتها.
تتجنب القطط البرية البشر بشكل غريزي، وهي قادرة على التعايش مع الطقس القاسي في بريطانيا، لهذا كانت منتشرة في الماضي بشكل كبير في جميع أنحاء بريطانيا، غير أنها الآن من أكثر الثدييات ندرة في البلاد، وينحصر وجودها في النصف الشمالي لاسكتلندا، بعد أن انقرضت من بريطانيا وويلز في القرن الثامن عشر، بسبب المطاردة التي تعرضت لها وفقدانها لمواطنها الطبيعية، لهذا فإن أعدادها الحالية تقدر ببضعة ألوف، أو حتى بالمئات فقط.
عاش القط البري في الجزر البريطانية منذ العصر الجليدي الأخير، غير أن جلب القطط الداجنة إلى بريطانيا، قبل ألفي عام، أدى إلى التزاوج بينها وبين القطط البرية، وهذا الأمر أدى إلى التأثير سلباً على جينات القطط البرية، فقلص أعدادها وهدد بتهجين المتبقي منها، لهذا ظهرت دعوات من جماعات حماية البيئة البريطانية لمنع القطط الداجنة من العيش في مواطن معيشة القطط البرية، حتى لا تتكرر المأساة ويتم التزاوج بينها من جديد.
وتعتبر مسألة التمييز بين القط البري، الذي يحميه القانون، وبين القط الهجين غاية في الصعوبة، حتى بالنسبة للخبراء العاملين في مجال حماية تلك الحيوانات، لهذا عكف العلماء، منذ عام 1990، على محاولة وضع وتحديد السمات الفارقة بين هذين النوعين من الحيوانات.
وفي أحدث دراسة صادرة عن مؤسسة «سكوتيش ناتشورال هيريتيج» الاسكتلندية، تمفحص الجينات المختلفة لتلك القطط، وتبين أنه رغم مضي قرون عدة من اختلاط الأنساب بين القطط البرية الاسكتلندية وأبناء عمومتها من القطط الداجنة، فقد نجحت الأولى في البقاء كفصيلة مستقلة، كما أن الأبحاث، التي شملتها الدراسة فيما يتعلق بمواطنها، دلت على أن القطط البرية تميل إلى التشبث بشمال وشرق وأقصى غرب اسكتلندا، رغم أن مصيرها في مناطق أخرى لا يزال مجهولاً.
لكن التعرف على أشكالها وأماكن معيشتها أمر، ومحاولة رؤية أعداد منها أمر آخر مختلف تماماً، فهي تميل للعيش في مناطق معزولة عبر الأحراش والسهول، لما تحويه تلك المناطق من أرانب برية وقوارض، تشكل الغذاء الرئيس لها. كما أنها لا تترك آثاراً يمكن من خلالها تتبعها، وتمتاز بالصمت والرغبة في الانعزالية، ويزداد نشاطها في أوقات الفجر والغسق.
لهذا اضطر الباحث تشارلز إلدر للاستعانة بخبير في هذا المجال، من أجل رؤية القط البري الاسكتلندي، وهو آدريان ديفز، الذي يعلم مناطق وجود تلك القطط ومعيشتها، غير أن الأمر ظل صعباً، حتى بوجود ديفز، واقتضى من الرجلين أن يسيرا مسافات طويلة في الحقول، التي تكسوها الثلوج، حتى نجحا في رؤية قط واحد منها.
لا شك أن القطط البرية الاسكتلندية تمثل الروح البرية أكثر من معظم الكائنات الأخرى على وجه الأرض، وغيابها عن العين قد يعني غياب الاهتمام الرسمي والشعبي بها، وهنا تكمن حساسية المسألة بالنسبة لتلك الكائنات الفريدة.
إعداد - يوسف جباعته
