ربما تكون أعداد الفهود قد تقلصت حول العالم، لكنها لا تزال كثيرة التجوال في غابات كوستاريكا الشرقية، وتلتهم كل ما يعترض طريقها من أبقار وخراف ودجاج. وهي إنما تفعل ذلك ليس بدافع الوحشية بقدر ما هو بدافع البقاء الغريزي.
قبل سنوات قليلة، كان رد الفعل الفوري لدى المزارعين الواقعة مزارعهم وسط طريق تلك الفهود، هو محاولة القضاء عليها، لكنهم بعد أن علموا أن الحكومة هي التي وفرت لهم تلك الممرات لمنع انقراضها، وأن طريق الفهود هذا يعتبر ممراً محمياً لتلك الحيوانات، اختلف رد الفعل إلى حد ما. وتهدف الحكومة من وراء توفير ممرات آمنة، إلى مساعدة الفهود على عبور المناطق التي يقطنها البشر بأمان، وهذه التجربة ليست جديدة.
حيث قامت بها دول أخرى في أفريقيا وآسيا، وذلك لمساعدة تلك الفهود الضارية على التأقلم مع تهديدات المدنية، في القرن الحادي والعشرين، أثناء عبورها مختلف المناطق. وتشكل هذه الطريقة تحولاً جذرياً في سياسات الدول الرامية إلى منع انقراض الفهود، فكوستاريكا، شأن الدول الأخرى، كانت، في الماضي، تتبع الطريقة التقليدية في منع انقراض الفهود، القائمة على تخصيص محميات لها وتركها لتعيش وتتزاوج وتأكل بسلام.
غير أن العلماء، في العقود الأخيرة، أدركوا أن تلك الحيوانات بحاجة إلى التنقل من منطقة إلى أخرى عبر طرق معينة، لأن العديد من الفصائل الحيوانية تعتمد في بقائها على هجرة عدد من حيواناتها من مكان إلى آخر، فهذا الأمر يحقق اختلاطاً للجينات، ويعيد إحياء الكائنات الحية في المناطق، التي تعرضت لكوارث طبيعية أو أوبئة.
وكشفت الدراسات الحديثة عن وضع الحيوانات في مكان واحد منعزل يؤدي إلى تقليص تنوعها، وإلى انقراضها على المدى الطويل.
ويرى علماء الحيوان في كوستا ريكا في فكرة الممرات الآمنة فتحاً جديداً لحياة الفهود، وخاصة مع التطورات العمرانية التي شهدها العديد من الدول النامية، ومنها المجمعات التجارية والطرق الجديدة والملاعب والسدود، وهذه التطورات من الممكن أن تتسبب في إعاقة حركة الفهود، والتأثير على هجراتها، لهذا حددت الحكومة في كوستاريكا مسارات معينة، وخصصتها للفهود والثدييات الأخرى الكبيرة، مثل النمور والفهود الثلجية وحيوانات الباندا.
من الصعب التوقف عن البناء كلياً، لكن من الممكن تعديل عملية التنمية والتطوير، بحيث تراعي تحرك تلك الحيوانات وخصوصيتها، الأمر الذي يمكنها من التحرك بحرية عبر الأراضي المختلفة، التي يقطنها البشر.
تقوم الحكومة في كوستاريكا، في الفترة الحالية، بنشر الوعي حول تلك الفهود، وإقناع الناس بعدم إطلاق النار على تلك الحيوانات البرية، أو محاولة طردها عن مساراتها. وحققت تلك السياسات الحكومية بعض النجاح في هذا الشأن، وبدأ الناس ينظرون إلى الفهود بمنظور مختلف عن الماضي، حيث كانوا يعتبرونها مصدر خطر وتهديد لحياتهم فقط.
كما زادت التغيرات المناخية من ضرورة إنشاء تلك الممرات الآمنة، لأن الحيوانات صارت، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تغيير أماكن سكنها، بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
تتفوق كوستاريكا في هذا المجال، لكن هذا لا ينفي وجود دول أخرى تطبق طريقة الممرات الآمنة لحيواناتها، ومنها أوغندا والصين، ويمول البنك الدولي مشاريع تأسيس تلك الممرات في دول مثل البرازيل وبيرو، والأهم من هذا أن خبراء المواصلات في البنك الدولي يعملون بالتنسيق مع خبراء البيئة لضمان أن لا يؤثر بناء الطرق والسكك الحديدية الجديدة على حركة وهجرات الحيوانات.
أما سبب تركيز خبراء الطبيعة، في الماضي، على بناء المحميات فقط فهو أن المعلومات، التي كانت متوافرة لديهم حول أنماط الهجرة والتناسل لدى الثدييات الكبيرة مثل الفهود، كانت قليلة، لكن التقنيات الحديثة ساعدت العلماء على التعرف بشكل أكبر على تلك الحيوانات، فقد اكتشفوا قبل عشر سنوات، بالنظر في جينات الفهود، أن الفهود التي تعيش شمالي المكسيك لها التركيب الجيني نفسه للفهود التي تعيش في أقصى جنوبي أميركا الجنوبية.
يوسف جباعته
