يقدر العلماء بأن حرق الفحم الحجري مسؤول عن 40% من إجمالي الانبعاثات الكربونية في أنحاء العالم. لكن الفحم الحجري متوفر بكميات كبيرة حول العالم، خاصة في ثلاثة من أكثر البلدان استهلاكاً للطاقة وهي الولايات المتحدة والهند والصين. ولذلك يصعب التخلي عن استخدام هذا المصدر للطاقة كلياً.
ومن ناحية أخرى فإن احتجاز الكربون من معامل الطاقة التي تحرق الفحم الحجري وضخه إلى باطن الأرض، فيما يعرف بتقنية احتجاز وعزل الكربون، لا يزال خياراً صعب التطبيق نظراً لتكلفته المرتفعة.
فمثل هذه التقنية النظيفة لاستغلال الفحم تكلف أكثر ب 50 بالمئة من الطريقة التقليدية الملوثة لتوليد الطاقة من الفحم، وهذا يحد بشكل كبير من الجاذبية الاقتصادية للصخر الأسود. لكن ذلك لم يمنع المستثمران فرانك سميث وجيم كرويل، من التخطيط لاستثمار 5 مليارات دولار لإنشاء محطة طاقة تعمل على الفحم من نوع جديد كلياً أطلق عليها اسم «بيورجين 1».
لقد عرض المستثمران خطتهما على العالم الشهير دانييل شراغ الأستاذ في قسم العلوم والكواكب بجامعة «هارفراد»، والذي شكك في الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشاريع في البداية، لكن موقفه تغير بعدما اطلع على تفاصيل الخطة.
فلقد توصلت الشركة إلى إنجاز بالغ الأهمية في تقنية توليد الطاقة من الفحم بشكل نظيف، حيث ستقوم محطة بيورجين بتحويل الفحم الخام إلى هيدروجين باستخدامه كوقود نظيف لمولداتها بدلاً عن الفحم، في عملية كيميائية متطورة تنتج أيضاً عناصر ثانوية ذات قيمة.
وبعد دراسة مستفيضة وقع اختيار الشركة على موقع إنشاء المحطة في القطاع الصناعي في ليندن بولاية نيوجيرسي ويقدر القائمون عليها بأن المحطة ستكون جاهزة للعمل بحلول عام 2016.
وقد يمثل هذا المشروع بداية تحول جذري في الطريقة التي تنتج بها الكهرباء، وربما يمهد لإمكانية خفض انبعاث الكربون بشكل كبير دون التخلي عن مصدر طاقة مهم يمكن أن يكفينا لقرن أو أكثر، برغم أن كل ما كان في جعبة كرويل وسميث هو فكرة تحويل الفحم إلى هيدروجين.
كما أثار ذلك إعجاب البروفيسور شراغ، فالتكنولوجيا الأساسية لتحويل الفحم إلى أصناف أخرى مستخدمة منذ عشرينيات القرن المنصرم. وعلى سبيل المثال، خلال حقبة التفرقة العنصرية بجنوب إفريقيا، لم يكن بإمكانها استيراد النفط، لذلك عمدت إلى تحويل الفحم المتوفر بكثرة محلياً إلى الغازولين. ويمكن إنتاج الهيدروجين بطريقة مشابهة بمجرد إدخال تعديلا ت طفيفة على العملية.
لكن معالجة الفحم بهذه الطريقة أكثر تعقيداً بكثير من حرقه كما هو، وهذا ما دفع شراغ للاعتقاد في بادئ الأمر بأن خطة شركة إس سي إس إينيرجي غير مجدية مالياً.
يقول باور: «حتى معامل الطاقة التقليدية التي تعمل على الفحم تعتبر استثمارات سيئة عموماً. «فبناؤها يكلف مليارات الدولارات لكنها لا تدر المال إلا في جزء من اليوم. فخلال النهار، عندما يستخدم معظم الناس كمبيوتراتهم وأجهزتهم الكهربائية وآلاتهم وما إلى ذلك، يمكن لمعامل الطاقة أن تبيع كل الطاقة الكهربائية التي تنتجها.
لكن في الليل ينخفض الطلب كثيراً، خاصةً في الشتاء عندما تتوقف المكيفات الهوائية عن العمل.
وهنا يكمن ذكاء الخطة، التي استرعت اهتمام البروفيسور شراغ، إذ تقدر تكلفة بناء محطة بيور جين حوالي 5. 2 مليار دولار، أي ضعف تكلفة المحطة التقليدية. لكن ما أدركه القائمون على الشركة هو أن الهيدروجين المحتجز في الفحم له استخدامات متعددة، بخلاف الفحم الذي ليس له سوى استخدام واحد مفيد. ويمكن على سبيل المثال استعمال الهيدروجين كمادة خام لإنتاج الأمونيا واليوريا المستخدمين في صنع الأسمدة.
وهذا يعني أن بيورجين سيكون بمثابة معملين في واحد: معمل لإنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق حرق الهيدروجين عندما يكون الطلب عالياً، ومعمل كيميائي لصنع الأمونيا واليوريا من الهيدروجين عندما يكون الطلب على الكهرباء منخفضاً.
ويتم أيضاً تحويل ثاني أكسيد الكبريت المستخلص من الفحم إلى حمض الكبريت الذي يمكن بيعه أيضاً. وهكذا من المفترض أن تدر محطة بيور جين دخلاً أكبر بكثير من الدخل الذي تدره محطة طاقة تقليدية بقوة 750 ميغاواط تعمل على الفحم.
أي أن رأس المال المستثمر سيعمل لحساب أصحابه على مدار 24 ساعة في اليوم، دون أن يكون لذلك تأثيرات ضارة على البيئة، لأن ثاني أكسيد لكربون الناتج سيتم عزله، ويضخ عبر أنبوب خاص ليدفن على عمق 2 كم تقريباً تحت قاع المحيط.
