تلعب حاسة الشم دوراً كبيراً في حياة الإنسان، ولها العديد من الوظائف الحيوية وحتى السيكولوجية أيضاً. لكن الإنسان مختلف جداً عن أنواع الحيوانات الثدية الأخرى فيما يتعلق بقوة حاسة الشم.

ويقول البروفيسور تيم جيكوب، في جامعة كارديف البريطانية «إن أنف الإنسان يحتوي في المتوسط حوالي خمسة ملايين خلية للشم في كل فتحة. وهو رقم جيد لكنه لا يقارن مثلاً بحاسة الشم لدى الكلاب التي لدى بعض أنواعها حوالي 250 مليون خلية شمية في فتحتي الأنف».

وفي عالم الحيوان تلعب حاسة الشم دوراً حيوياً في الغذاء وغريزة البقاء والتكاثر. وفي حين أن لحاسة الشم وظائف مشابهة لدى الإنسان، فإن السمة الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لنا هي قدرة نظامنا الشمي على نقلنا عبر الزمن والتأثير بشكل كبير على حالتنا النفسية. ولا شك أن كلاً منا قد مر بحادثة تجسد هذه السمة إذ شم رائحة ما ذكرته فجأة ودون سابق إنذار بشخص ما أو حادثة ما أو مكان ما.

لكن ما الذي يحدث هنا؟ أولاً، لا بد أن نعرف أن البصيلة الشمية، وهو الجزء الدماغي المسؤول عن معالجة الروائح، موصولة بشكل مباشر بالنظام الليمبي، وهو الجزء الدماغي القديم الذي يتحكم بحالتنا المزاجية، ومشاعرنا، وذكرياتنا غير الإرادية، التي تطرأ دون سياق منطقي وبدون أن نقوم بفعل التذكر.

والصلة بين الرائحة والمشاعر متأصلة بشكل عميق. فالجزء الدماغي المقسم عادة إلى الأجزاء المختلفة للنظام الليمبي كان أصلاً من منظور نشوئي مجرد قشرة دماغية شمية، كما تقول راشيل هيرتس، التي أجرت في جامعة براون الأميركية بحوثا مكثفة بشأن علاقة الروائح بالحالة النفسية. وتضيف أن المعلومات التي تمنحنا إياها الروائح والمشاعر هي نفسها في الجوهر، فكلتا الحالتين تخص الاقتراب والتجنب».

إذا هناك روابط بين الروائح المحددة، مثل رائحة العشب، ومشاعرنا. ولكن هل هذه الروابط سمة فطرية أم مكتسبة؟

وتقول هيرتس، مؤلفة كتاب «رائحة الرغبة»: إنها سمة مكتسبة بالتأكيد. فالروائح ليس لها تأثيرات متأصلة كتأثير المخدرات، وإنما يكتسبها الإنسان من خلال تجربته الثقافية والشخصية. وتتمخض عن هذه الحقيقة بعض النتائج المثيرة للاهتمام وتشير هيرتس إلى أن رائحة إحدى الشجيرات الشتوية الخضراء، والمسماة (ونترغرين)، غير محبوبة أبداً في بريطانيا، بينما هي مرغوبة في الولايات المتحدة. ففي أميركا يقترن اسمها برائحة النعناع أو العلكة، أما في بريطانيا فيقترن اسمها برائحة منظفات الحمامات، وسبق أن كانت رائحة بعض أنواع الأدوية.

إذاً الاقتران الذهني الذي يتم الاحتفاظ به لهذه الرائحة، أو غيرها، يحدد طبيعة استجابتنا لها. وهذه الاقترانات ليست بالضرورة دائماً مكتسبة بشكل فردي، إذ يمكننا أحياناً تشكيل اقترانات جماعية. ففي أميركا الشمالية وأوروبا الغربية تحظى رائحة الخزامى بمدلولات تبعث على الاسترخاء، كما تقول هيرتس، وهذا يبرر تأويل تلك الرائحة عندما يصادفها أحد ما في أي مكان.

ولكن لو أن شخصاً ما قد مر، على سبيل المثال، بتجربة سلبية في أول مرة اشتم فيها رائحة الخزامى، فإن ذلك الشخص لن يشعر بالاسترخاء عندما يشتمها مصادفة في وقت لاحق من حياته. وحالما يترسخ الاقتران الذهني للرائحة لدينا، يمكن أن تكون تأثيراته ملموسة بشكل كبير.

ففي دراسة قام بها مختبر «جوت فرايد» في جامعة نورث وسترن الأميركية لاستبيان تأثيرات الروائح على عقولنا، تم تعريض مجموعة من المتطوعين لرائحة لطيفة بينما تم تعريض مجموعة أخرى لرائحة كريهة، ثم طلب منهم إبداء رأيهم في بعض الوجوه التي تظهر أمامهم على الشاشة. وكانت كلتا الرائحتين تطلقان بتركيزات متدنية جداً لدرجة أن المتطوعين لا يستطيعون اشتمامها عمليا.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص التي تم تعريضهم للرائحة اللطيفة كانوا عموماً أكثر ميلاً للتعبير عن إعجابهم بالوجوه التي تظهر أمامهم على الشاشة، والعكس صحيح. والمثير للاهتمام، كما يقول البروفيسور «جوت فرايد»، أن هذا التأثير يحدث خارج نطاق الإدراك الواعي.

ويمكن للصلة بين الرائحة والمشاعر أن تعمل في الاتجاه المعاكس أيضاً. ففي مختبر «جو فرايد» تم تعريض عدد من المتطوعين لصدمة كهربائية خفيفة بينما كانوا يشتمّون رائحة محددة. وفيما بعد تمكن هؤلاء من التمييز بين تلك الرائحة ورائحة أخرى لم تكن معروفة بالنسبة لهم من قبل.