( نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا) ... كان هذا المقطع الشعري للشاعر الراحل محمود درويش، مدوناً على لوحة أثناء افتتاح ساحة محمود درويش في قلب العاصمة الفرنسية.
لم يكن مفاجئاً أن يحضر رئيس بلدية باريس الاشتراكي بيرتراند ديلانوي، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإزاحة الستار عن تلك اللوحة التي دونت فيها اسم محمود درويش إلى جانب العظماء الذين خلدتهم باريس على شوارعها وساحاتها وحدائقها وأماكنها العامة لأن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش «13 مارس 1941 - 9 أغسطس 2008» قد أمضى نحو خمسة عشر عاماً في هذه المدينة وأبدع جل أعماله الشعرية: حصار لمدائح البحر، هي أغنية، ورد أقل، مأساة النرجس، ملهاة الفضة، أرى ما أريد، أحد عشر كوكبا، لماذا تركت الحصان وحيدا؟
هذا بالإضافة إلى عدة كتب نثرية ذاكرة للنسيان، في وصف حالتنا، عابرون في كلام عابر، الرسائل (بالاشتراك مع سميح القاسم). وهي أكثر مدينة ارتاح إليها بعد أن غادر بيروت، فقد كانت باريس إحدى محطاته بعد القاهرة وبيروت وعمان وتونس وموسكو وقد فتحت آفاقه على تأثيرات شعرية كثيرة وأقبل على الحياة الباريسية إثر نجاح عمليته الجراحية الأولى في القلب سنة، 1984 التي خرج منها منتصراً في معركة وليس في حرب.
أحب محمود درويش باريس إلى حد الألفة، وصارت خلال سنوات قصيرة مدينته القريبة إلى عالمه الخاص، له فيها عاداته الشخصية وأمزجته ونزواته، وأماكنه المعتادة من مقاه ومطاعم، وصداقاته الحميمة، وهو أضحى وسط ذلك أحد نجوم الحياة الثقافية ومحركيها، سواء بكتاباته النثرية أو عبر الأماسي الشعرية، التي أحياها في «اليونيسكو» و«معهد العالم العربي»، وكان حضور أماسيه بالآلاف.
ولعل الأمسية التي أحياها في ملعب لكرة القدم في جنوب فرنسا «مدينة آرل»، قبل شهر من رحيله، كانت برهاناً على عدم موت الشعر. وقد تُرجمت أعماله إلى الفرنسية أكثر من اللغات الأخرى.
عاش الشاعر الراحل في باريس من أجل الكتابة، فقد كان يصحو كل صباح، ويجلس إلى مكتبه المطل على الشارع العام لكي يكتب حتى الظهيرة وبعدها ينصرف إلى حياته. ولكن باريس صعبة أيضاً ومصاريفها الباهظة أجبرت الكثيرين من الكتاب والأدباء إلى مغادرتها، وقد أفضى بأمنيته إلى أحد الأصدقاء الأدباء بأنه لو كان يمتلك «غرفة صغيرة» في باريس لما تركها، لذلك غادر شقته الصغيرة المطلة على «ساحة الولايات المتحدة»، وذهب للعيش في عمان.
نبذة
ترجمت أعمال محمود درويش إلى أكثر من 20 لغة وكرم في دول عربية وأجنبية ونال جوائز منها درع الثورة الفلسطينية عام 1981 ولوحة أوروبا للشعر عام 1981 ومن الاتحاد السوفييتي جائزة ابن سينا عام 1982 وجائزة لينين عام 1983. كما فاز عام 2007 بجائزة ملتقى القاهرة الاول للشعر العربي.
شاكر نوري
