كان صوت أنفاسها أعلى من أي محاولة للتجاهل، أنفاس عالية وسريعة، التفت أبحث عن مصدرها بين طاولات الكافتيريا التي اعتدت الجلوس فيها أقنص حكايات الناس من وجوههم، فوجدتها على بعد لا يزيد على المتر إلا بقليل، وقد جلست خلف حاجز زجاجي سمح لي بالنظر إليها مطولا دون أن أثير استياءها، كانت تضع يدها على صدرها وكأنها تمنع خروج قلبها من بين أضلاعها، ثم أمسكت منديلاً ورقياً وضعت عليه بعض الماء ثم كشفت خمارها لتمسح وجهها به.
هل حاولت يوماً أن تجمع البراءة والصدق والجمال في صورة واحدة، لو أنك فعلت فأنت في غنى عن وصفي لذلك الوجه، بعينيه الممتلئتين سواداً، والبشرة الخمرية.
والفم الممتلئ والمنفرج عن دهشة دائمة، فإن تخيلت ذلك الوجه محاطا بالخمار الأسود والعباءة الحريرية، فأنت أمام بدر مكتمل في ليل طويل، سرعان ما تكتشف أنه حزين أيضاً، فما ان أتت النادلة، حتى بدأت تحادثها بحركات شفتيها ويديها، وبدون صوت، وما حاجتها لكلام لن يصادف أذناً منصتة، نعم إنها صماء وبكماء، ولكنها عاشقة أيضاً.
فما هي إلا دقائق، حتى جلس بقربها شاب نحيل بسمار قاتم لا تستحسنه العين وملامح تفتقر للتناسق، هذا كان رأيي، أما هي فقد كان لعينيها التي احتضنته منذ لحظة دخوله، رأي آخر، فضحته عيناها التي كانت تنتقل بين ملامحه وحركات يديه التي يتحدث من خلالها، فكأنها كانت تنظر للوحة من إبداع يتفجر بين كل نظرة وارتدادها، فتجد عينيها تتنقل بين انفعالات حديثه الذي أكاد أسمعه من خلال تعابير عينيها الثرثارتين، فهما بين فرح وحزن، دهشة وتفهم، بينما لا يفارق شفتيها انفراجهما المدهش والمندهش معاً.
ورغم أنه وكما ظهر من لهجته ليس من جنسيتها، ورغم جلسته المسترخية وعينيه الباردتين، إلا أن خيالي نقلني إلى تفاصيل قصة حب رائعة، حيث تعلم العاشق لغة الإشارة ليتمكن من إيصال نبضات قلبه إلى حبيبته، لم أشك لحظة بمشاعره نحوها، فمن ذا الذي يستطيع أن يتجنب الضياع في متاهات الصدق والبراءة التي تصل سواد العينين بانفراج الدهشة لتلك الشفاه.
ومرة بعد أخرى كنت ألتقي بها في نفس المكان، وفي كل مرة كانت تنثر مزيداً من الأسئلة في وجداني، فقد كانت تأتي دائماً مبكرة عنه، فتحادث النادلة وتعطيها بعض المال، فإذا خرجت طلبت هي الحساب ودفعت، وبقي هو فيطلب ما يشاء من طعام وشراب ثم يخرج دون أن يدفع على الأقل ثمن ما تناول في غيابها.
وكنت بحكم تواجدي الدائم قد أقمت بعض الود مع النادلات، بما يسمح لي بالاستفسار عن كل ما يلفتني من غرائب تصرفات الزبائن، فكان الجواب دائماً مصحوباً بحسرة مشفقة، كن جميعاً يجدنها جميلة وطيبة، صغيرة وبريئة، ويجدونه مستغلاً لذلك، كانت تأتي قبله لتسأل إن كان يقابل أخرى في غيابها، ولتدفع ثمن ما يطلب بعد مغادرتها، كانت تعتقد أنها بحضورها قبله لتدفع ثمن طعامه وشرابه وشيشته قبل حضوره، ما يرفع عنه الحرج الذي يجرح رجولته المزعومة، ولكن الجميع كانوا يعرفون أنه يستغلها، وأنها تدفع ثمن كل نظرة شوق.
وكلمة حب، وكل لحظة يقضيها معها، هي فقط كانت تغيب حقيقته خلف ستار فولاذي من الحب، وربما من الرغبة بأن تحب وأن تكون حبيبة لأحد ما، وربما وجدت نفسها معه فتاة كالأخريات، مرغوبة وكاملة، لا يعيبها ثقل لسانها وجدار الصمت حولها، ولكنها وبصدق، لو أمعنت النظر بمرآتها لوجدت فتاة رائعة وأكثر من كاملة.
وبأنها تستحق حباً حقيقياً غير مدفوع الثمن، ولكن لماذا ألوم تلك الصغيرة، وقد جعل هذا المجتمع بمعاييره السخيفة، داخل كل منا إعاقة يجدها في نفسه، تدفعه ليتنازل وبإرادته، ويقبل بما دون ما يستحق في هذه الحياة.
أبوظبي ـ إيمان كلش