برحيل الفيلسوف المغربي الدكتور محمد عابد الجابري يفتقد الفكر علما من أعلام التنوير، فنصوصه تدل على أنه صاحب حلم كبير، عمل على التحديث العربي بتفان وإخلاص، وإن كان الموت يوقف العمر لكنه لا يوقف دلالة الأثر.

هكذا بدأ الدكتور كمال عبد اللطيف محاضرته التي نظمها المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة. إحياء لأربعينية الجابري وذلك مساء أول من أمس في مقر المركز في أبوظبي.

قدمت للأمسية الإعلامية بغداد أحمد مشيرة إلى أن المحاضر كان واحدا ممن أشرف د.الجابري على أطروحته في الدكتوراه، ليصبح فيما بعد زميله وصديقه، يعمل د.عبد اللطيف أستاذا للتعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس في الرباط، وهو عضو مؤسس للجمعية الفلسفية العربي في العام 1983، وعضو اللجنة الوطنية في منظمة اليونسكو إلى جانب العديد من المناصب وأضافت أحمد للمحاضر إصدارات متنوعة منها الحداثة والتاريخ، قراءات في أعمال العروي والجابري، وأسئلة الحداثة في الفكر العربي وغيرها الكثير.

قسم د.عبد اللطيف محاضرته إلى محور متعلق بحياة الجابري وآخر متعلق بمشروعه النظري، أشار: خاض الجابري العديد من المعارك بصمت وساهمت الأعمال الفكرية التي أنتجها، في بناء مجموعة من المواقف والاقتناعات الفكرية والتاريخية. ومنح إنتاجه الفكري الاعتبار الرمزي، كفاءته في صوغ سِجل من الأسئلة الموصولة بمجالات الصراع السياسي في فكرنا.

وأتجه د. عبد اللطيف إلى استعراض الجبهات التي صنعت المسار الفكري للجابري قائلا: جبهة تدريس الفلسفة في المدرسة وفي الجامعة، ثم جبهة التراث، وأخيرا جبهة العمل السياسي، التي انخرط فيها يافعا.

وجاءت البداية من جبهة الفلسفة والدفاع عن العقلانية أوضح المحاضر استغرق كفاحه داخل هذه الجبهة عمره المهني كاملا(1967-2002)، وبرزت مواقفه عندما مارس تعليم الفلسفة وتعميم الوعي الفلسفي في المجتمع المغربي منذ منتصف الستينيات، وكان مسؤولا عن الإشراف التربوي في وزارة التربية الوطنية.

وإذا كنا نعرف أن تعليم الفلسفة في مجتمع متخلف، تسود فيه درجات عالية من التفكير التقليدي المحافظ، فإن صدور كتاب دروس في الفلسفة في طبعاته العديدة، شكل تحولا نوعيا في التعليم العصري في المدرسة المغربية ولهذا اعترضت جهات متعددة على الكتاب، وحرص الجابري على إيجاد مخرج مناسب من أجل تحصين تدريس مادة الفلسفة، بالشروط التي تتيح إمكانية تقديمها.

وأوضح عبد اللطيف: درس الجابري في جامعة الرباط تاريخ الفلسفة، والماركسية والتحليل النفسي، وعلم الكلام، وابن خلدون في الفكر العربي الإسلامي، ثم ترجم في مجال نظرية المعرفة والإبستمولوجيا، جملة من النصوص لرواد فلسفة العلوم في الفكر الفرنسي المعاصر. وكان يقدم أبحاثا مجتهدة ومثيرة للجدل، حيث يعمل على تطويع وتجريب المناهج وبناء الأطروحات.

وأكد المحاضر أن عناية الجابري بالظاهرة التراثية، شكلت مدخلا كبيرا في أعماله الفلسفية والفكرية العامة. وكانت الجبهة التراثية في مساره الفكري، مفتوحة على معارك عديدة، لأن الموروث التراثي في الثقافة المغربية والعربية كان سجين آليات تكرارية في النظر.

وأوضح د. كمال عبد اللطيف: بدأ الجابري المشروع منطلقا من مخاطرة التفكير في مقالات تراثية فلسفية بعينها، مقالة عن الفارابي، مقالة عن الغزالي، ثم مقالات اعتنى فيها بفلسفة ابن رشد، مما أثمر بمنهجية ومفاهيم تنتمي لدرس الفلسفة المعاصرة، وتوجت هذه الأعمال بكتاب أصدر فيه أبحاثه الأولى حول فلاسفة الإسلام يتعلق الأمر بنص «نحن والتراث» 1980، الذي يعتبر النواة الأولى لمشروعه في نقد العقل العربي.

وأضاف: قرأ الجابري التراث بطريقة أشبه ما تكون حفرا يبحث فيه عن مقومات الحداثة واشتغل في الجبهة التراثية ليعلن أولا أن المجال التراثي ذاكرة جماعية، وهو ذاكرة لا يحق لأحد التفرد باحتكار رأسمالها الرمزي والتاريخي، فمن حق الجميع أن يرتبوا نوعيات علاقاتهم بمنتوجها، بالشكل الذي يناسبهم، ويناسب طموحهم التاريخي المستقبلي.

وفي حديثه عن جبهة العمل السياسي أكد المحاضر: انخرط الجابري بحماس في العمل السياسي، واتسم بقوة المبادئ. مرتبطا بالحركة السياسية الوطنية، منذ خمسينات القرن الماضي، والتزام بصف الحركة التقدمية واليسار المغربي.

بنزاهة واستقامة.ويمكن أن نفترض أن الجابري لم يستطع التكيف مع مستجدات العمل السياسي، التي أصبحت تقلل اليوم من شحنة المبادئ في عالم ركب فيه المشهد السياسي على قواعد جديدة، وكانت خياراته السياسية والأخلاقية تمنعه من التلاؤم معها. ولهذا توقف مؤسسيا عن العمل السياسي، لكنه من الناحية العملية لم يتوقف.

وخلص المحاضر إلى ما يمكن اعتباره نواة مركزية في جبهة الفكر النقدي في الفكر العربي المعاصر. متمثلة في مشروع نقده للعقل العربي، الهادف لتفكيك آليات عمل الفكر العربي، لتخليص الثقافة العربية من الوسائل الفكرية التقليدية المتحكمة في أنماط مقاربتها وفهمها للظواهر.

أبوظبي-عبير يونس