يا من يعز علينا أن نفارقهم

وجداننا كل شيء بعدكم عدم

ما كان أخلقنا منكم بتكرمة

لو أن أمركم من أمرنا أمم

لعلي أبدأ مقدمتي بشعر للمتنبي، وهو الشاعر المفضل عند المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الرجل الذي كما اسمه زاد عن كل شيء، زاد بعدله ، بحلمه بدولته حتى اصبح زايد زائداً على كل من ارتفع اسمه ليس بالسيف، ولا بالحروب بل بالتسامح والحب، فإذا ماقيض لك ان تعيش في كنف زايد، في بيت زايد، في دولة زايد، وعالمه فاعرف أنك دخلت مصنع الرجال الشم.

فالحمد لله الذي قيض لضيفنا عبدالرحيم السيد موسى الهاشمي أن يدخل هذا الباب العالي من اوسعه، فكان اليد اليمنى والابن الروحي لصاحب اكبر روح تطوف علينا وترعانا، فكان ساعده الايمن والبطانة الحسنة التي تعمل للخير .

كما يأمر سيدها، فكان عنوان الامانة والشهامة، يبكي كلما عاد بذاكرته قليلا للوراء، فهو يعيش في حياة زايد وفي ظل زايد، لانه كما يقول، من عرف زايد أصبح متلاشيا اذا لم يستطع ان يجاري هذا الرجل الذي اصبح ابا للوطن، ولكل محتاج ومعوز على ظهر البسيطة.

إنه ضيفنا عبد الرحيم السيد موسى الهاشمي الذي يحدثنا عن مولده في إمارة أبوظبي حارة الشرق، ويتحدث عن طفولته التي تشبه طفولة أي شاب في تلك المرحلة، وكيف كان الناس تشقى في ذلك الوقت، تعلمنا السباحة والصيد وكل الأمور الطيبة وزيارة الآخرين بسبب تقارب البيوت، وننعم بالأمن والأمان لعدم وجود الأجنبي.

الدراسة

مراحل الدراسة في أبوظبي، درست الابتدائي في مدرسة الكندي الابتدائية الموجودة في مدينة زايد ومدرسة عمر بن عبدالعزيز ومدرسة زايد الثاني الإعدادية، بعدها انتقلنا إلى ثانوية أبوظبي، ومن ثم درست الجامعة 1984 كلية الإدارة جغرافيا جامعة العين ثم الماجستير من جامعة مصر والدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.

بالنسبة لزملاء الدراسة أذكر سمو الشيخ هزاع بن زايد، وسمو الشيخ محمد بن زايد وسمو الشيخ حمدان بن زايد ومسؤولين آخرين يمثلون الدولة في الخارج أي سفراء، ومازالت العلاقة موجودة بيننا إلى الآن.

العائلة قريبة من آل نهيان

بالنسبة لعائلتي، فهي قريبة جداً من أسرة آل نهيان الكريمة، وهي علاقة ممتدة منذ القدم، جدي ووالدي واعمامي وعلاقتي بالمغفور له الشيخ زايد بدأت كون الوالد عمل عند المغفور له الشيخ سلطان بن زايد والد المغفور له الشيخ زايد ، الأول وكان وكيل أعماله.

ومن ثم انتقل للعمل عند الشيخ محمد بن خليفة بعد وفاة الشيخ خليفة بن زايد الأول، وكذلك أعمامي كانوا يعملون عند المغفور له الشيخ شخبوط وكل العائلة مقربة من أسرة آل نهيان الكريمة ومازلنا و ان شاء الله نبقى عند حسن ظنهم.

وفاة الاب

والدي توفي وأنا صغير، حيث قام بتربيتي ابن أخي السيد عبدالله السيد بن علي السيد، رباني ولم يقصر في تربيتي وتأثرت بالوالدة لأنها علمتني القيم والدين وعمل الخير والجد والدراسة من خلال صدقها وإخلاصها وتعلقها بالعادات والتقاليد الإماراتية.

الطموح

كل إنسان طموح، وطموحي في مركز قيادي بالعمل والجد والاجتهاد يصل الإنسان إلى هدفه، نحن عملنا عند أعظم رجل في كل العصور المغفور له الشيخ زايد الذي تعلمنا من مدرسته كل عمل طيب وتفان في العمل من الألف إلى الياء، فهو المعلم والزعيم والأب،

الدراسة والتخصص

بداية التخصص كانت الجغرافيا كوني أحب السفر وأتعلم من الشعوب الأخرى لا توجد علاقة بين تخصصي والعمل، ولكن شيئا جيدا أن يكون الإنسان ملماً بكل شيء. فانا أحب البحر والصيد والرمال وعشق أبوظبي، وهي سمة لا تفارقني، السفر متعة ولكن الوطن هو الملاذ الأخير.

بعد تخرجي من الجامعة 1987 وبعدها بـ 3 سنوات عملت في ديوان الرئاسة كضابط إداري وترقيت ضابطا إداريا أول، وبعدها وكيلا للشؤون الخاصة بدرجة وكيل وبعدها رئيس الشؤون الخاصة بدرجة وزير.

الجيل المحظوظ

جيلنا يعتبر محظوظا، فالله أنعم علينا بنعمتين الأولى وجود المغفور له الشيخ زايد الحكيم، والثانية نعمة البترول الذي سخره زايد للبلد. شباب الإمارات يُعتمد عليهم والحكومة لم تقصر بحقهم من خلال تعليمهم ومتابعتهم بعد التعليم.

حيث وصل الشباب الإماراتي إلى مرحلة متقدمة وهذا دليل اهتمام الحكومة، التي تعطي الكثير لابناء الوطن. والشباب محور اهتمام المغفور له الشيخ زايد في إعطائهم الفرصة ليتعلموا ويتدرجوا كونهم هم الذين سيحملون الأمانة .

أم الامارات وأياديها البيضاء

لااحد ينسى دور سمو الشيخة فاطمة، ووقفتها مع المرأة الإماراتية من خلال الجمعيات النسائية ورعايتها للمرأة، وهي دائمة الدعم لها، والدليل أن حكومتنا فيها وزراء من العنصر النسائي وهذا ثمار ما أعطته سمو الشيخة فاطمة للمرأة فهي الأم والسيدة الأولى. فالمرأة الإماراتية طبيبة وعسكرية ومهندسة ومديرة ووزيرة، وفي كل مناحي الحياة.

قوة الوطن اقتصادية

قوة الوطن تأتي من القوة الاقتصادية، حيث كل الحروب سببها اقتصادي. الدولة قطعت شوطاً كبيراً في استثماراتها والأمور للأحسن.

من أهم المشاكل التي تواجهنا العادات الدخيلة السيئة المهاجرة إلينا، أو من وسائل التكنولوجيا، فسوء الأستخدام جلب علينا أموراً بعيدة عن ثقافتنا الإسلامية والعربية.

زايد بحر لاينضب

1990 كنت دائماً ملازما للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد، سواء في جولاته في أبوظبي أو الإمارات الشمالية أو المناطق الشرقية والغربية، وكذلك سفراته الخارجية في الزيارات الرسمية وشبه الرسمية وحتى في القنص.

أنا لا أستطيع التحدث عن مزايا أو مواقف المغفور له الشيخ زايد، ولكي اختصر بعضا من فيضه أقول إن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد معروف بجولاته بالإمارة، ولا يوجد وقت محدد لها وكانت جولتنا بعد العشاء في كورنيش أبوظبي ومنطقة السوق، وكان الازدحام شديدا والتجمع كبيرا والناس تتجمهر للسلام على سموه، كانت عائلة سودانية واعتقد انهم لم يقتربوا اما خوفا او بسبب الازدحام.

فاشار إليهم المغفور له الشيخ زايد فجاءوا، سأل رب العائلة عن حاله فقال له «تركت عملي وسأخرج من الشقة» فقال المغفور له بإذن الله الشيخ زايد أعطني رقم التليفون، واعطاني اياه أخذته وقال لي أنهي الموضوع، بدأ اليوم التالي وعند الساعة الخامسة فجراً اتصل بي من قصر البحر، فقلت له: نعم طويل العمر، قال: ماذا عملت بالموضوع، فأنا لم أنم وأنا أفكر بهم.

فقلت له: طويل العمر الوقت مبكراً، فقال: لا تأتي إليّ قبل أن تنهي الموضوع، فقمت، على السريع، باستئجار شقة وسددنا ديونه وجلبنا الأثاث وكل ما يحتاجون.

صاحب نظرة ثاقبة

المغفور له الشيخ زايد نظرته لم تكن فقط للمواطن، بل لكل من على هذه الأرض، لا يفرق من ناحية اللون أو الديانة، دائما عند سفرنا للخارج كان يطلب من الجاليات الموجودة بتلك المناطق هل هم بحاجة للمساعدة، فكان مكتب الرئيس يجمع طلبات الجاليات ونعرضها عليه وهو يساعد الكل.

مساعدات خارجية

المساعدات الخارجيةالتي قدمها سموه كثيرة ، سواء عربياً ام اسلاميا ام فريقياً ، في مصر مشروع توشكي، لبنان نزع الألغام، في إفريقيا حفر الآبار وإنشاء المساجد والمطارات في كل الدول. ويطلب من الرؤساء عند لقائهم، أخبروني ماذا ينقص شعبكم لأقدم المساعدة.

لا توجد كلمة «لا» في قاموسه عند تقديم المساعدات كنا في بريطانيا وأتتنا طلبات كثيرة أعطيته إياها، وهو يأمر بالمساعدات، كل حسب طلبه وكان سمو الشيخ محمد بن زايد موجوداً، ومن ضمن الطلبات كان طلب لشخص يهودي، فقال: هناك ورقة تركتها لماذا؟

قلت له طويل العمر: هذه غير مستوفاة الشروط، فقال لي لا توجد شروط عندي للمساعدات، فما باله، قلت له يا طويل العمر هذا يهودي فقال: وما المشكلة أنا لا أفرق بين أحد، فدعه يعلم عن ديننا وساعده بأضعاف ما طلب.

حزن على طفل كي لا يعديه بالزكام

وفي يوم كنا في قصر البحر، والشيخ زايد قصره مفتوح للجميع، والكل يصل إليه والدنيا باردة والشيخ زايد كان «مزكوم»، وكان يتفادى من يأتي للسلام عليه خوفا من عدوته.

وكان من بين الذين أتوا للسلام عليه طفل فقرب من الشيخ زايد لمخاشمته، فأبعد عنه الشيخ زايد، طبعا خوفا على الطفل من العدوى، وبعد خمس دقائق نظرنا للشيخ زايد وجدناه حزينا وينظر إلى الطفل فتوجهت إليه لأسأله، فقال لي:

اذهب وأخبر الطفل أن الشيخ زايد يعتذر منك لأنه مصاب بالزكام وخوفا عليك ذهبت للولد وأخبرته بكلام الشيخ زايد فضحك الولد وانفرجت أساريره فيبدو أنه أخذ على خاطره، وهنا فرح أيضا الشيخ زايد فسموه يحترم الأطفال والطفولة، فهو الذي يحترم الصغير قبل الكبير، وأي شخص مهما كانت درجته في القصر، في السوق يقابل العمال بروح أبوية.

تعلمنا حب الوطن

تعلمنا من زايد الكثير ونحن أبناؤه، تعلمنا حب الوطن حب الخير حب العمل، سؤاله الدائم لأي شخص يأتي إليه، ما هو عملك، أين تعمل؟ يحب من يعملون.

كان يحب الخضار، الشجر والنخيل وجولاته تشمل الغابات والمزارع، وفي إحدى الجولات في رمضان والدنيا حر وقت الظهيرة فكانت جولتنا إلى المفرق، وفي منطقة مليئة بالغابات والمزارع، شاهد المغفور له الشيخ زايد أن الغابة لم تحظ بالاهتمام، قال لي أذهب من هنا إلى آخر شجرة وطالع هل بها ماء أم لا ؟

وأنا كلما صادفت شجرة أضع يدي تحتها إلى أن وصلت آخر شجرة عندها عدت إليه قال هل تعرف لماذا أرسلتك لآخر شجرة لأن المهندسين والعمال يهتمون بالأشجار القريبة من الطريق لكي أراها ولكن أنا أخبرهم أنني أهتم بآخر شجرة مثلما أول شجرة فكان يتابع المواضيع والمشاريع بنفسه.

ربط شجرة بغترته لكي لا تميل

في يوم ذهبنا إلى منطقة الجرف حزام الغابات، في الطريق رأى شجرة مائلة، أوقفنا بالموكب ونزل بنفسه وحاول أن يعدل الشجرة من خلال ربطها بغترته.

المقصات والمعدات الزراعية موجودة بسيارته، وكلما وصلنا غابة ننزل ونقص ونزيّن، وحبه للنخيل جعله يشجع على زراعته وخاصة في الدول المجاورة بإرسال المهندسين والمعدات.

الإمارات فيها ملايين أشجار النخيل أي حوالي 45 مليون نخلة فهي من الدول الأولى المهمة بالزراعة كذلك كان محبا للحيوانات، ففي فترة انقرض المها العربي ولكن بحكمة سموه أنشأ محميات لهذا النوع، وتمت المحافظة عليها والإمارات بها أكبر عددد من المها العربي.

عمل الخير

اسس مشروع إفطار الصائم ،كان يأمر أناسا من قبله للإشراف عليه ، ويومياً يطعم مليون شخص على مستوى العالم في شهر رمضان، يفطرون على حساب سموه ، وكنا نذهب لكل الإمارات ولكل البيوت يقول لنا رحمه الله أنتم أذهبوا إليهم.

الاهتمام بالوطن

يهتم بالمواطن ويسخر المال لخدمته وعطاياه، لا حدود لها نحن نعطي ونصرف ولا ننتظر إلا رضا الله.

ينصحنا وكل العاملين وعلى رأسنا الشيخ منصور لا تردوا طلب محتاج، التعليم والمبالغ الكبيرة ردوها الي.

في الأعمال الخيرية لم يقل أنا عملت، أو بنيت وإنما يقول هذا من فضل الله وبركاته وسخرنا لخدمة البشرية.

دائم الزيارات والجولات

أكله لم يكن مميزاً، ويحب الأكلات الشعبية ويشجع عليها على أساس أنها من العادات والتقاليد، كان يقضي وقته وخاصة بعد صلاة الصبح يأتي اليه الموظفون والمواطنون وتبدأ جولاته الصباحية على المشاريع، ويشرف عليها ويسأل المهندس عن كل صغيرة وكبيرة يذهب للمواطنين إلى بيوتهم ويسألهم، ووقت الغداء يحرص على أن يكون أبناؤه حوله.

وأثناء الأكل يسألهم ويأخذ معلومات والأشياء الحاصلة، وكان المغفور له الشيخ زايد نومه قليلا وحياته حيوية ونشاط، ويأتي المساء يجلس مع رجال الدين والشعراء وهو حافظ للقرآن، ويشرح معانيه ويحرج رجال الدين في اسئلته وشرحه للايات.

وهو الشاعر الأول في الدولة ويحب قصائد المتنبي ويشرحها، ويعرف معظم الشعراء العرب. وسمع للكل، ويشجع أبناءه على الشعر وهو معجب بشعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

فارس من الطراز الاول

كان فارسا من الطراز الاول ويعرف الخيل ويعطي وصفاً لها ويعرف العربية من غيرها وضع جوائز للخيول ليس في الدولة بل بالعالم أجمع دائماً هناك جائزة زايد تمنح للخيل العربية الأصيلة.

يحب الهجن ويمتلك ميزتها، بالإضافة للرياضات البحرية يحضر سباقات الشراع وأنشأ نادي التراث البحري ووضع جوائز قيمة.

صياد بارع

كان يحرص على القنص لأنه متوارث أب عن جد، مرة في الدولة وأخرى في باكستان والمغرب، أنا لا أعرف القنص هو علمني عن الطير وكان شخصياً يعلمني.

كان يصيد ولكن ليس بطريقة عشوائية يعرف متى وأين يصيد وأذكر مرة في الجزائر كانت الحباري بموسم بيضها، امتنع عن القنص وشلنا المخيمات ورجع، وفي وقت القنص كان يمنع الصيد العشوائي أو بالأسلحة.

آخر جولاته

المغفور له الشيخ زايد، وفي آخر جولة له على الكورنيش الناحية الشمالية كان ينظر إلى يمينه بعد تفقد المشروع، احترت فيما والى ما ينظر لانه امعن النظر كثيرا ، وفي الليل وعند وفاته ذهبت لأرى مكان الدفن، وجدت سمو الشيخ منصور يجلس في نقطة مر منها المغفور له الشيخ زايد، والتي تمعن فيها فعرفت في قرارة نفسي الى ما كان ينظر اليه.

البركة بالشيوخ

صاحب السمو الشيخ خليفة وسمو الشيخ محمد يمشون في النهج نفسه بالإضافة للدور الإيجابي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لأن ذلك امتداد لتجربة الشيخ زايد.

إعدها للنشر ـ عبد المنعم الشديدي