أنقل هذه التجربة من الغرب، وأنا أدرك أن التجارب الإنسانية هي حق للشعوب بصرف النظر عن اللون والعرق والعقيدة، خاصة حين تكون التجربة دليلا ساطعا على معجزات الحب.

والتجربة لأشقاء ثلاثة لم يتجاوز أكبرهم السادسة عشرة من عمره وحين كان في الثامنة تعرضت والدتهم لحادث دهس من شاب مستهتر وهي تعبر الطريق متجهة إلى المنزل محملة بمؤن الغذاء لتعد وجبة لأولادها.

خلف الحادث سيدة بين الحياة والموت، وظلت في غيبوبة لأشهر، فما كان من الأبناء الصغار بقيادة شقيقهم الأكبر إلا أن يقبعوا يوميا بالقرب من سرير الأم الغائبة عن العالم.

كان الاثنان يمسكان بيدها في حين يقوم الثالث بالغناء العذب قرب سريرها، حيث لم يكن الصغار يتقنون فعل شيء، ففكروا بالغناء حيث يتناوبون على القيام بذلك فيما بينهم، بدأ للام ثم شمل المرضى جميعا.

حين أراد الله أن يمنح فضله استفاقت الأم بعد ثمانية أشهر، لترى الحب يحيط بها، وتفاجأ بغناء أولادها بدلا من انتحابهم. استكملت الأم علاجها، وخرجت على مقعد متحرك، بعد اصابتها بالشلل الكامل فيما عدا ذراع واحدة يمكن تحريكها قليلا، كما طال الشلل وجهها واثر على كلامها، لكن كل ذلك لم يخف ابتسامتها ودموع فرحها حين رأت أبناءها، وقد خرجوا من المحنة بتشكيل فرقة تنشد للحب.

وتدعو للالتزام بشروط السلامة من عبث المتهورين على الطرق، وفي الوقت نفسه صار الغناء مصدر دخل للصغار بعدما كانت الأم هي المعيل الوحيد لهم، كما حرصوا على تأمين نفقات العلاج لوالدتهم، وألا يخذلوها، وألا يتركوها أو يسمحوا بفقدها، وآثروا أن يردوا لها الجميل، وقد كانت إرادة الله فوق كل شيء.

حين تقدم الصغار من الممتحنين في إحدى المسابقات، ليتحدثوا عن تجربتهم في تكوين فرقتهم وكيف نشأت. تحدثوا عن الواقعة وعن مأساة والدتهم وهم يبتسمون، في حين كان الجمهور يغرق في دموعه متأثرا ولعله غير مصدق لولا أن أخرجت الأم من خلف الكواليس على مقعد متحرك وهي تلوح بيدها بصعوبة لم تثنها عن المواصلة، وابتسامة بالكاد ترتسم على نصف شفة بالكاد تتحرك، لتثبت مع أولادها أن الحب حقا يصنع المعجزات.

وأنه أعظم ملهم في الأزمات، ويؤكد بالدليل والتجربة.. بأننا نجني ما نزرع، ماديا ومعنويا وهو الأهم وفيه العبرة الأكبر والأعم.

مي أحمد - الإمارات