لا يكاد العام الدراسي يودع طلبته وتلاميذه حتى يبدأ الكثيرون من أولياء الأمور رحلة البحث عن مدارس جديدة لأبنائهم، بحيث تتناسب مع ميزانياتهم وتلبي في الوقت ذاته طموحاتهم بكسب أولادهم تعليماً جيدا، ومع نهاية كل عام دراسي تكرر المدارس الخاصة سيناريو زيادة رسومها الدراسية، التي أصبح لهيبها يحرق جيوب الآباء.

وهو ما يدخلهم في حيرة كبيرة تجبر البعض على القبول بالأمر الواقع، أو البحث عن مدارس أخرى أقل في مستواها التعليمي والمادي، حيث إنها تتناسب مع مقدرتهم المادية.ومع نهاية كل عام تبدأ إدارات المدارس الخاصة رحلتها بين أروقة الوزارة والمناطق التعليمية بغية رفع الرسوم بنسب مختلفة تصل أحيانا إلى 50%، وتحتفظ كل مدرسة بأسبابها في ذلك، وحتى في حالة عدم حصولها على الموافقة بزيادة رسومها نجدها تسلك طرقا ملتوية «لشفط» ما في جيوب الآباء، إما من خلال رفع رسوم المواصلات او الكتب أو الزي الرسمي، وهو ما يؤرق الكثير من الآباء.

مستويات صادمة

تقرير الرقابة المدرسية للعام الدراسي 2009 ـ 2010 الذي نشرته هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي مؤخرا اظهر نتائج غير مقبولة، حيث لم تحقق سوى 3 مدارس حكومية ومدرستان خاصتان فقط أداءً تعليميا متميزا، ومن بين 78 مدرسة حكومية حققت 30 مدرسة أداءً جيدا، و37 مدرسة أداءً مقبولا، و8 مدارس أداءً غير مقبول، أما المدارس الخاصة التي بلغ عددها 131 مدرسة، فقد حققت 43 مدرسة منها أداءً جيدا، و69 مدرسة أداءً مقبولا، و17 مدرسة أداءً غير مقبول.

ومن دون شك فإن هذه النتائج كانت صادمة لأولياء الأمور الذين تفاجؤوا بأوضاع مدارس أبنائهم في ظل ما يدفعونه من مبالغ عالية لضمان مقاعد دراسية لأبنائهم فيها، ومن دون شك فإن هذا يدعونا جميعا إلى التساؤل عن البديل للمدارس الخاصة لإيقاف الطوفان العارم لارتفاع الرسوم.

وفي هذا الصدد قالت شمسة راشد الزري، رئيس مجلس أمهات مدرسة الشارقة النموذجية للبنات: الكثير من المدارس الخاصة أصبحت وللأسف الشديد تبحث عن المادة بالدرجة الأولى، ولا تعير الطالب او حتى المعلم أي اهتمام او إعطاءه حقه في التحصيل الدراسي او تنفيذ أي نشاط ممكن أن يمارسه الطلاب خلال اليوم الدراسي.

وكل ما تركز عليه قبل البدء في العام الدراسي وقبل نهاية الفصل الدراسي الثاني هو ما إذا كان الطلبة قد دفعوا القسط الأخير أم لا، وتتعمد إحراج الطالب أمام زملائه بعدم تسليمه التقرير الشهري بسبب عدم تسديده للرسوم الدراسية، الأمر الذي يؤثر سلبا في نفسية هؤلاء الطلاب نتيجة لهذا التصرف غير اللائق.

وأضافت: اما بالنسبة لرسوم المدارس الخاصة فإنه يجب أن يكون هناك قرار وزاري صارم يوحد الأسعار بحسب المرحلة الدراسية، ويتم تحديدها من قبل الوزارة، وألا يكون هناك تغيير فيها دون الرجوع إلى الوزارة، مع قناعة ولي الأمر بسبب الزيادة المفروضة على الطلاب.

التعليم الحكومي

أما حول البديل للمدارس الخاصة فقالت شمسة: تعتبر المدارس الحكومية هي البديل للخروج من هذه المعضلة، والبعد عن مغالاة المدارس الخاصة الذي يتزايد يوما بعد يوم، خاصة وأن المدارس الحكومية وبعد رفع سقف اهتمامها من حيث مستوى الطالب العلمي، وتوفير جميع وسائل وسبل التعليم التقني الحديث، إلى جانب المدارس النموذجية أيضاً، فهما السبيل الأفضل من المدارس الخاصة من ناحية رسوم الدراسة .

ومن ناحية الاهتمام بمستوى الطلبة ومتابعة التحصيل الدراسي بشكل مستمر، فضلاً عما توفره المدارس النموذجية من نشاطات تخدم العملية التعليمية، وتوفير الصالات الرياضية والمسابح والمطاعم، على الرغم من المبالغ الزهيدة التي يدفعها ولي الأمر كرسوم دراسية.

من جهته قال الدكتور خالد المري، رئيس مجلس أولياء الأمور في منطقة الشارقة التعليمية: عندما نتحدث عن المدارس الخاصة فنحن نتحدث عن قطاع خاص تشرف على مناهجه المناطق التعليمية ووزارة التربية والتعليم، أما تحديد الرسوم فهو مرهون بإدارات المدارس التي تعمل ضمن سوق مفتوح خاضع للمنافسة.

والبقاء فيه للأفضل، وعلى الرغم من ذلك أعتقد بأنه يجب العودة إلى قرار وزير التربية والتعليم الذي دعا فيه إلى ضرورة مراجعة هذه الرسوم، ومن ناحية الرسوم فنحن إذا نظرنا إلى كل مدرسة على حدة سنجد أن لها أسبابها الخاصة في تحديد رسوم الدراسة فيها.

ولذلك نقول دائما إن السوق مفتوح والبقاء للأفضل، خاصة وأن كل هذه المدارس تراهن على جودة التعليم فيها، والخيار يبقى لأولياء الأمور الذين يدفعون الرسوم الدراسية، وأعتقد بأنه يمكن حل هذه المعضلة بأن يتم فتح باب الترخيص لزيادة عدد المدارس في كل إمارة، لأن ذلك سيزيد من فرص الاختيار أمام الطلاب.

ولا تبقى هذه المدارس حكرا على بعض الأسماء الأجنبية، إلى جانب التحكم في المعايير لهذه المدارس، وذلك لإتاحة التعليم وضمانه لكل أبنائنا من المواطنين والوافدين على حد سواء، وبتقديري أن هذا سيجبر المدارس الخاصة على تقليل رسومها بسبب سياسة العرض والطلب.

وطالب د. المري بأنه يجب على المدارس الخاصة الالتزام بالمعايير والمناهج، وبعدد أيام التدريس التي يجب ألا تقل عن 175 يوما دراسيا فعليا، كما طالب بضرورة إعادة تأهيل هذه المدارس من حيث المباني، وفحص مدى جودة مخرجات التعليم لديها، وأشار إلى انه يمكن أن يتم توسيع تجربة دمج الطلبة الوافدين في المدارس الحكومية لما لذلك من أثر ايجابي في أبنائنا المواطنين، الأمر الذي يجعل منه حلا ملائما لمعضلة المدارس الخاصة.

رسوم محددة

ومن جانبه قال إسماعيل الشافعي: من خلال تجربتي أجد أن التعليم الحكومي أقدر وأوضح من التعليم الخاص، خاصة بعد إدخال العديد من التغييرات على المدارس الحكومية والسماح بدخول بعض أبناء الوافدين إليها، الأمر الذي شجع أبناءنا المواطنين على الدراسة فيها، ولذلك أعتقد بأن البديل للمدارس الخاصة هو التعليم الحكومي.

لأنه في النهاية يخضع لمنهاج واضح وموحد وضمن رسوم واضحة ومحددة أيضا، ولا توازي بأي حال من الأحوال رسوم المدارس الخاصة، التي أجبرت العديد من الآباء على العيش ضمن واقع مؤلم يتكرر في كل عام.

أما مصطفى بركات فقال: الحديث عن المدارس الخاصة يقودنا إلى واقع مؤلم كثيرا نعيشه جميعا مع المدارس الخاصة، والرسوم التي تفرضها في كل عام تبين لنا أنها عبارة عن شركات هدفها الأول والأخير هو الربح فقط، وإلا ما معنى أن يتم تغيير الزي المدرسي سنوياً دون الحاجة لذلك مع زيادة رسوم الزي، خاصة إذا رفضت الوزارة أي زيادة على رسوم الدراسة.

فيكون الحل السريع لدى المدرسة زيادة رسوم الزي المدرسي والكتب والمواصلات وغيرها، ونحن كأولياء أمور مضطرون للرضوخ لما تفرضه المدارس الخاصة من رسوم لأننا لا نمتلك البديل، فلا يوجد أمامنا سوى المدارس الخاصة لتعليم أبنائنا.

وقالت أم عبدالله: من وراء ممارسات المدارس الخاصة أصبحنا نعيش كل عام على أعصابنا، لتبدو هذه الفترة من كل عام كأنها غيمة تمر فوق رؤوسنا، لأننا نتوقع في كل لحظة أن تفاجئنا المدارس الخاصة بطلبها زيادة الرسوم، فلا يعقل أن ندفع على طفل في الصف الأول أكثر من 16 ألف درهم في العام الواحد، وإذا كانت هذه رسومه وهو في الصف الأول فكم تكون عندما يصل إلى الثالث الثانوي؟ بالتأكيد إنها ستضاهي الرسوم الجامعية.

وأردفت: لا ننكر أن مخرجات التعليم في بعض المدارس الخاصة جيدة، ولكن هل يعقل أن نبقى تحت رحمة هذه المدارس، أعتقد بأنه يجب التفكير جديا بإيجاد بديل لها؛ إما عبر إعطاء المزيد من التراخيص، أو فتح المدارس الحكومية أمام الجميع، بحيث يجبر ذلك المدارس الخاصة على تخفيض رسومها.

ومن جانبه قال إياد نعيم: أعتقد بأن أفضل حل لهذه المعضلة هو إلغاء المدارس الخاصة، وتحويل كافة الطلبة إلى المدارس الحكومية، بحيث ينهل الجميع من المنهاج ذاته الذي أصبحنا نعاني كثيرا في ظل اختلافه واعتماد المدارس على أكثر من منهج.

ولكن في المقابل أود أن اسأل هل يمكن تطبيق هذا الحل في ظل العدد الكبير للطلبة والمدارس الخاصة التي تتبع في أغلبيتها للشركات وهو ما جعلها تجارية بحته، تأخذ أرباحها من جيوب الأهالي الذين يضطرون إلى تدريس أبنائهم فيها لعدم وجود بديل.

مدارس ترفع رسومها بنسبة 50%

في كل عام يعاني أولياء الأمور من قيام معظم المدارس الخاصة برفع رسومها الدراسية السنوية، والتي وصلت في الآونة الأخيرة إلى 50%، ورغم هذه المعاناة يبقى أولياء الأمور مضطرين للتعامل مع هذه المدارس التي حصلت معظمها في تقرير الرقابة المدرسية للعام الدراسي 2009 - 2010 الذي نشرته هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي مؤخرا فقط على مستوى مقبول.

الأمر الذي يثير حفيظة العديد من الآباء الذين تساءلوا عن جدوى دفع مبالغ مالية عالية، في حين أن مدارس أبنائهم تحصل على مستوى مقبول أو دون المستوى، إلى جانب ذلك فقد برزت دعوات أخرى تطالب بضرورة إيجاد بديل واضح يعمل على التخفيف من الأعباء المادية الملقاة على عاتق أولياء الأمور، والتي يضطرون إلى دفعها سنويا لقاء حصول أبنائهم على مستوى تعليمي جيد.

وقد رأى العديد من أولياء الأمور في المدارس الحكومية حلا جيدا يعفيهم من الركض وراء المدارس الخاصة التي تحولت أغلبيتها إلى شركات تجارية حولت التعليم إلى تجارة مربحة.

دبي - غسان خروب