يقود ديفي كوبيناوا من قبيلة اليانومامي البرازيلية حملة لاسترداد عينات دم أخذت في عقد الستينيات من القرن الماضي من أفراد القبيلة بواسطة باحثين أميركيين آنذاك.
تعود تفاصيل القصة إلى العام 1967، عندما زارت مجموعة من الباحثين، ذوي البشرة البيضاء، بقيادة عالم الأنثروبولوجي نابليون شاغنون قرية اليانومامي الواقعة في قلب الغابات الموسمية على الحدود الفاصلة بين البرازيل وفنزويلا.
وقد أحضر الباحثون معهم أواني فخارية ومجموعة كبيرة من الأدوات المصنوعة من الصلب، وقالوا يومها إنهم يستطيعون درء الأمراض المستعصية التي اجتاحت قرى قبائل اليانومامي. وفي مقابل ذلك كله أرادوا شيئا واحداً: الدم.
وقام شيوخ القرية، وقتئذ، بزيارة قصيرة إلى الباحثين للتحقق من الأمر، ذلك أنه بالنسبة للقبائل المنعزلة فإن الصلب يعد سلعة لا تقدر بثمن، وكذلك الدواء. ولحسن حظ هؤلاء الباحثين فقد لقي عرضهم بالمساعدة ترحيبا كبيرا من أبناء القرية الذين اصطفوا واحدا تلو الآخر لإعطاء دمائهم التي طلبها الباحثون لاستخدامها كعينات اختبار.
والآن، يستعد كوبيناوا، المتحدث الرسمي للقبيلة، والذي كان في العاشرة من عمره وقتئذ، لخوض معركة مع 32 ألفاً من أبناء القرية من أجل استرداد 2000 أنبوب اختبار تحمل دماء آبائهم، التي تحتفظ بها مراكز بحوث حاليا.
وفي نهاية المطاف استسلمت 4 جامعات أميركية، أخيرا، وكذلك المعهد القومي لبحوث السرطان في الولايات المتحدة للحملة التي يقودها كوبيناوا وقبيلته لإعادة عينات الدم إلى مواطنها الأصلية في القرى الأمازونية.
ويرى محللون بأن الخطوة سوف تضع حدا لواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العصر الحديث، خاصة وأن عينات الدم أخذت من دون موافقة كتابية من أصحابها. ووفقا لمعتقدات قبيلة اليانومامي فإنه يتوجب دفن كل متعلقات الميت كاملة حتى يرقد مستريحا داخل قبره، بما في ذلك الدم والذي يعد أهم العناصر الروحانية.
ويقول كوبيناوا: «لا يتصور أحد أن تترك الدماء داخل البرادات متجمدة. وبالنسبة لنا لا يستطيع العلم تحديد الأصلح منها للبشر، وبمجرد وصول الدماء إلى قرية اليانومامي سوف تصب في أحد الأنهار وسط احتفال رسمي يحضره أفراد القبيلة».
يضيف كوبيناوا: «سوف نسترد دماء آبائنا ونضعها في النهر، إذ إنه طبقا لمعتقداتنا فإن إله القبيلة عثر على زوجته في النهر».
وبحسب بيان من السفارة البرزايلية في واشنطن، يتولى فريق من العلماء البرازيليين مهمة استرجاع أنابيب الدماء إلى ساوباولو.
وكانت قضية عينات الدماء قد أثيرت في عام 2000 عندما نشر الصحافي باتريك تيرني كتابا بعنوان «ظلمة في إلدورادو» انتقد فيه بشدة نهج شاغنون وزميله جيمس نيل، واللذين ضللا أفراد قبيلة يانومامي حينما بررا الحصول على عينات الدم بغرض دراسة الطبيعة الجيولوجية لتربة القرية.
وبعد احتدام الجدل بشأن هذا الأمر طيلة أكثر من ست سنوات، وفي عام 2006، اعترفت مراكز البحوث الأميركية بأنه ينبغي عليها إرجاع عينات الدم إلى مواطنها.
إلا أنها أكدت على أن ذلك لابد أن يتم في إطار اتفاقية قانونية مع إعفائها من المساءلة القانونية. وأبلغ «كينيث ويس» الأستاذ بقسم الأنثروبولوجي في جامعة بنسلفانيا الأميركية، والذي بحوزته 600 أنبوب من الدم المذكور، صحيفة برازيلية بأنه سوف يتأكد من خلو عينات الدم من أية بكتيريا متجمدة أو طفيليات. حاليا يعكف قانونيون بالجامعة على مراجعة الاتفاقية لتسليم العينات إلى البرازيل».
ويأمل كوبيناوا وأنصاره بأن يتم تسريع إجراءات تسلم دماء آبائهم في أقرب فرصة، وهو ما أعرب عنه روب بروفوسكي من جامعة هاواي باسيفيك والذي يقود الحملة مع كوبيناوا.
هشام فتحي
