يبدو إعداد «الغمّة» في بيوت اللبنانيين، ولا سيما أبناء القرى والأرياف منهم، في تراجع مستمر لشدّة صعوبته.. فاسم الطبخة مشتقّ من «الغمّ» الذي تجلبه لمن يجرّب طهوها، إلا أن بعض الطبّاخين يحاولون إعادتها إلى سوق المأكولات.

ففي أيامنا، تبدو هذه الطبخة الشعبية متّجهة نحو الانقراض، لولا بضع النسوة ال«مضحيّات» وبعض المطاعم القليلة جداً التي تقدّمها.

وكغيرها من الوجبات التراثية، تبدو «الغمّة» مثار جدل، لا بسبب رائحتها النّفاذة أثناء الطهو فقط، بل بسبب «اشمئزاز» الكثيرين من أكلها، لأنها تحتل من جسم البقرة أو الخروف موقع البطن والأحشاء والرأس والقوائم، عدا عن كون نارها ومكوّناتها مكلفة.. لكن هذه المعوّقات تتلاشى في بعض البيوت، حيث تتبرع الجدّة بخبرتها وجهدها لإعدادها، وذلك من دون أن تبادر سائلها عما تطبخ بالقول: «أطبخ الغمّة.. الله لا يغمّك»، وكأنها تنفي عن هذا الطبق أي ضرر لتضفي عليه الرغبة الجامحة في تناوله..

أمّا في المطاعم، فهي شبه غائبة عن لوائح الطعام، ومن يطلبها يشبه الباحث عن شيء من الماضي البعيد. وإذا كانت هذه الطبخة تتميّز بكونها لا تؤكل إلا طازجة، فإن الصعوبة الأكبر تكمن في عملية التنظيف التي تتمّ على مرحلتين:

الأولى هي إفراغ الكرْشة من محتواها، والثانية تنظيف سطحها بالماء الساخن، وذلك قبل حشوها بالأرز واللحم والحمّص والبصل المفروم، إضافةً إلى أنواع عديدة من التوابل والبهارات التقليديّة لتطييب مرقها الذي يُبدَّل دوريا.

ومن غير المبالغة الحديث عن مشاكل زوجيّة تحدث بسبب طبخة «الغمّة»، تماماً كما بسبب طبختَي «الكروش» و«الأباوات»، كون هذه الأكلات الحامية والثقيلة صعبة التحضير، فيما هي مطلوبة بكثرة.. وربّما لأنها كذلك، تسمّى «مطلّقة السبع نسوان»، في إشارة إلى قصة شعبية معروفة في لبنان، عن رجل طلّق سبع نساء على التوالي بعدما فشلن في إعداد وجبة «غمّة»!

بيروت ـ وفاء عواد