وصفه الفرنسيون بأنه سيد الشرق، أي الكاتب الذي نقل لهم الشرق عبر رواياته، وقارنوه بلافونتين وإيميل زولا. لكنه أكثر من ذلك، فقد نقل الشرق إلى العالم كله، ولم يتقوقع في مكان، بل مدّ صداقاته إلى اليونانيين والأميركيين والأفارقة والإيطاليين واليابانيين والجزائريين والمغاربة، لأنه متحدر من ثقافات البحر الأبيض المتوسط.
وهذه «النظرة الشمولية» تجدها في أثاث منزله ولوحاته وذكريات أسفاره. في زاوية بيته، تجد لوحة أثيوبية معلقة على الجدار، وأخرى لألف ليلة وليلة على قماش الحرير الفارسي، ولوحة أخرى من أصل منغولي، وصورة المرآة المعلقة آتية من الهند وهكذا.
هل هو مثل شخصياته الروائية التي تغلب عليها الثقافة والنزعة الإنسانية؟ قد يكون مثل بطل روايته «رحلة بلدازار».. الذي ينسجم مع قوله (إنني ولدت غريبا، وعشت غريبا، وسأموت غريبا. إنني متكبّر لدرجة لا أستطيع أن أتحدث عن العداء والإهانة والانتقام والمعاناة، ولكني أعرف النظرات والإشارات.
هناك أذرع النساء عبارة عن أماكن للنفي وأخرى لأرض الوطن). أنه منفتح ومنعزل في آن واحد، يتجاذبه موقفان، موقف بطله الذي يسافر ويأخذ الطريق في بحث متواصل، وبين الموقف الذي يقول فيه في (ليون الأفريقي): (ماذا تنفع الرحلة، أنت لا ترى شيئا في العالم ما لم تراه في ذاتك أولا).
لا يسكن أمين معلوف في شقته الباريسية طيلة العام لأنه يقضي معظم الأوقات في منزله الريفي في جزيرة يو، حيث يعتكف فيها على إنجاز رواياته بعيدا عن باريس وصخبها. هذا الكاتب الاجتماعي في ظاهره، يفضل العزلة والانقطاع عن العالم أشهرا طويلة في مواجهة شاشة الكمبيوتر البيضاء. سيرته ارتبطت بأحداث العالم.
أصبح رئيسا لتحرير مجلة جون أفريك وسافر إلى ما يقارب 60 بلدا للقيام بتغطيات صحافية لأهم أحداث عصرنا مثل: حرب فيتنام والثورة الإيرانية.
في شقته، يلاطف أبناءه الثلاثة: رشدي، وطارق، وزياد، ويتودد إلى زوجته الكريمة أندريه. وهنا نرى الآثار الشرقية في كل زاوية، وخصوصا ذلك الإنجيل الضخم الذي يعود إلى عام 1640 والذي اشتراه الكاتب ذات يوم من أحد أسواق الكتب القديمة كما أخبرني.
كل شيء يتحرك في منزله ويعج بالروح والحيوية، القطة الرمادية ـ بيسو ـ المشتق اسمها من التعبير اللبناني ـ البس ـ. والكلب مورتمر ـ بولدوك إنكليزي.
سار في الاتجاه المعاكس لبيئته التي غلب عليها الشعر، ورغم غياب الرواية كليا، اتجه نحو كتابة الرواية، حتى لم يهتم لولع والده بالموسيقى. قال لي: (أمران كانا غائبين في هذا الوسط الثقافي الذي عشت فيه هما الرواية واللغة الفرنسية) «يضحك».
تاريخنا مشرق من ليون الأفريقي إلى الحروب الصليبية وسمرقند وصخرة طانيوس وسلالم الشرق.
شاكر نوري
