تظنه من بعيد فطراً عملاقاً في أرض يباب، لكن ما أن تقترب منه حتى تكتشف أنه مبنى لفرع مركز «جورج بومبيدو الوطني للفنون والثقافات» الذي اكتمل أخيراً في مدينة «ميتز» الهادئة، الواقعة ضمن منطقة اللورين في فرنسا.
وألهم شكل هذ المتحف الغريب العديد من السكان لإطلاق أسماء والقاب كثيرة عليه، حتى إن عمدة المدينة أطلق عليه اسم «بيت السنافر»، بينما يميل الكثيرون إلى تسميته بـ «القبعة الصينية»، وذلك لأن المهندس المعماري الياباني «شيغورو بان»، الذي قام بتصميم المبنى، استلهم فكرة السقف من قبعة صينية مصنوعة من الخيزران، كان قد اشتراها من باريس، يوماً ما، وتعلق بها.
ومتحف «بومبيدو ـ ميتز»، الذي افتتح أخيراً، يعد الفرع الأول لمركز بومبيدو الشهير، ويمتاز بشكله الفريد وبأنه مقسم إلى وحدات، ويحلم الأهالي في ميتز في أن تتحول مدينتهم إلى «بلباو» أخرى، والمعروف أن مدينة بلباو الإسبانية تمركزت شهرتها على وجود متحف غوغنهايم الشهير على أرضها.
ويرى العديد من السكان أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين المدينتين، ويقرون بأن عليهم بذل المزيد من الجهد من أجل تحقيق اقتصاد أفضل لمدينتهم، حتى لو استغرق ذلك زمناً طويلاً، وهم يؤمنون بأن مدينتهم تشبه بلباو، في الإمكانيات والقدرات، وبالتالي فما حدث لبيلباو من تحليق إلى سماء الشهرة والانتشار يمكن أن يحدث في ميتز أيضاً.
وتعتبر مدينة ميتز منطقة غير جذابة، حيث لا يقطنها سوى 127 ألف نسمة، كما أنها موطن لأكبر القواعد العكسرية الفرنسية، لذلك فوجود مبنى لمعرض فني دائم في تلك المنطقة «القفر» يعتبر شيئاً غريباً.
تعاني مدينة ميتز من أزمة هوية، حيث تناوب على حكمها الألمان والفرنسيون قروناً عديدة، فقد كانت تعيش في ظل الحكم الألماني لأكثر من 700 عام جتى القرن السابع عشر، ثم حكمتها ألمانيا الحديثة مجدداً من عام 1871 حتى عام 1918، وعادت وهيمنت عليها عام 1940 لمدة أربع سنوات.
لهذا عانت، كما يقول عمدتها دومينيك غروس، من أزمة ثقة، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فكل تلك الاضطرابات التي مرت بها المدينة أفقدتها الكثير من احترام الذات والاعتداد بالنفس.
صحيح أن المدينة تضم كماً كبيراً من نماذج عمارة القرون الوسطى الرائعة، غير أنه لا توجد فيها دار كبيرة للأوبرا، وإنما يوجد فيها مسرح واحد وبضعة معارض فنية فقط.
كما لا يوجد بها معلم مشهور، سوى كاتدرائية «القديسة إتيان»، التي بنيت في القرن الثالث عشر، وهي غير معروفة كثيراً خارج ميتز، وما لايعرفه الكثيرون أن المدينة تحتوي على أكبر مجموعة من الزجاج الملون في أوروبا. أما في نظر الفرنسيين فإن ميتز ما هي إلا مدينة ثكنات عسكرية، قبيحة وكئيبة.
يشتمل مبنى «بومبيدو ؟ ميتز» على قاعة للمؤتمرات وعرض الأفلام والفعاليات الأخرى، كما أن بإمكان القائمين عليه أن يختاروا ما يرونه مناسباً من المتحف الأم في باريس الذي يضم أكثر من 65 ألف عمل فني، ويضموه لمعرضهم.
بعض السكان المحليين بدأوا يعجبون بالمبنى، بعدما استغربوا وجوده على أرضهم، في البداية، وأكثر ما بدأ يسترعي انتباههم فيه التركيب البسيط والإضاءة الطبيعية التي يتميز بها.
حيث إنه مصمم بطريقة تسمح بدخول أكبر قدر من ضوء النهار إليه. هذا الاعجاب والانبهار تطور إلى حب، وصار الحديث حول المبنى الآن موضوع الحوار المفضل لدى الكثير من الناس، على الرغم من أن عدداً ليس بالقليل منهم لا يعرف سر تسميته بهذا الاسم، وعلى الرغم أيضاً من أنهم لا يعرفون كثيراً عن الفن المعاصر.
يوسف جباعتة
