يجمع العلماء على أن استمرار العالم في طرح المزيد من غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو سيكون له عواقب وخيمة على كوكب الأرض. ومع ذلك فإن معدلات الانبعاثات الكربونية لا تتجه نحو الانخفاض، بل إن كل المؤشرات تفيد بأن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو سوف يستمر في الارتفاع لعقود.
وبرغم الدعم الكبير لخيارات الطاقة البديلة، فإن البلدان النامية والمتطورة على حد سواء سوف تستمر على الأرجح في حرق المزيد من النفط والفحم والغاز الطبيعي في المستقبل المنظور.
وفيما يتعلق بقطاع المواصلات، بشكل خاص، تبدو بدائل البترول غير عملية بالمرة حتى الآن، فوسائل تخزين الطاقة في السيارات الكهربائية صعبة وتستهلك حجماً كبيراً فوق الحدود المقبولة من منظور التطبيقات العملية.
ويكفي ان نعرف أن البطاريات بالنسبة لحجمها تخزن من الطاقة ما يعادل واحدا بالمئة فقط من محتوى البترول من الطاقة. كما أن حمل الهيدروجين على المركبات يتطلب عشرة أضعاف حجم تخزين البترول، ناهيك عن الوزن الضخم للخزان عالي الضغط اللازم استخدامه لحفظ الهيدروجين.
خيارات مطروحة
إذن كيف يمكن للعالم الحيلولة دون ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو فوق مستواه الحالي الذي بلغ 389 جزءا بالمليون؟ بالطبع فإنه ما لم يتم حظر استخدام أصناف الوقود الكربوني، وهو أمر مستبعد جداً بالطبع، فإن من بين الخيارات المطروحة الآن سحب ثاني أكسيد الكربون من الجو مباشرة.
ومن البديهي ان السماح باتساع رقعة الغابات على الأرض يمكن أن يسهم في امتصاص بعض كميات ثاني أكسيد الكربون، لكن البشر ينتجون كميات كبيرة جداً من الكربون لدرجة أن مساحات اليابسة المتوفرة لمثل هذا الحل لا يمكن أن تكون كافية.
لكن لحسن الحظ كما يقول العلماء فان هناك حلاً بديلاً يتمثل في استخدام ماكينات فلترة ؟ أشبه بالأشجار الآلية ؟ قادرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو بكميات أكبر بكثير من الكميات التي تمتصها الأشجار الطبيعية من نفس الحجم.
وتقوم الآن بعض فرق البحث بدراسة نماذج أولية عن تلك الماكينات، بما في ذلك معهد جورجيا للتكنولوجيا، جامعة كالجاري الكندية، المعهد السويسري الفدرالي للتكنولوجيا في زيورخ وجامعة كولومبيا ومعهد تكنولوجيا الأبحاث العالمية في توسكون بولاية أريزونا الأميركية.
وجميع التصاميم التي تعمل عليها الفرق المختلفة تقوم على نسخ متباينة عن نفس المبدأ: يمر الهواء عبر هياكل منصوبة في العراء فيلامس مادة ماصة تتحد كيميائياً بجزيئات ثاني أكسيد الكربون، تاركة المكونات الأخرى للهواء من النيتروجين والأكسجين وغيرهما تكمل طريقها عبر فلتر الترشيح إلى الهواء الخارجي.
وبالطبع فإن مقاومة تأثيرات التغير المناخي تتطلب تطبيق مفهوم احتجاز ثاني أكسيد الكربون على نطاق كبير جداً، لكن المبدأ الأساسي واحد وقد تم إثبات فعاليته من قبل. فمنذ عقود تستخدم أجهزة غسل الغازات لنزع ثاني أكسيد الكربون من الهواء الذي يتم تنفسه داخل الغواصات والسفن الفضائية ومن الهواء المستخدم لإنتاج النتروجين السائل.
ويمكن إنجازه عبر عدة عمليات كيميائية مختلفة، لكن الماكينات التي تستخدم المواد الماصة الصلبة تعد بامتصاص أكبر كمية من ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة طاقة مستهلكة. وتشير النماذج الأولية المصغرة عن هذه الأنظمة إلى أن نشر الماكينات التي تستخدم مواد ماصة صلبة على نطاق واسع يمكن أن يحد من ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو أو ربما حتى يقلصها.
أشجار آلية
ومثل الأشجار الطبيعية، تأتي الأشجار الآلية بأشكال وأحجام مختلفة. ومن المفترض أن تقوم كل واحدة باحتجاز طن إلى مئات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون كل يوم. ويقدم التصميم الذي يتم تطويره في جامعة كولومبيا ومركز تكنولوجيا الأبحاث العالمية مثالا على آلية عمل هذه التقنية.
حيث يتم صف ألياف دقيقة من المواد الماصة على ألواح مسطحة كبيرة شبيهة بمرشحات الأفران، بعرض متر وارتفاع 5,2 متر. وتدور ألواح المرشحات المنتصبة حول سكة دائرية أفقية مثبتة فوق حاوية شحن قياسية بقياس 40 قدماً.
وهكذا تتعرض الألواح للهواء. وحالما تمتلئ بثاني أكسيد الكربون، تهبط أوتوماتيكياً من السكة إلى حجرة التجديد الخاصة داخل الحاوية، حيث يتم هناك تحرير ثاني أكسيد الكربون المحتجز من المادة الماصة وضغطه على شكل سائل. ويعود بعد ذلك اللوح النظيف إلى السكة العلوية ليلتقط المزيد من الكربون من نسمات الهواء العابرة من خلاله.
بديل آخر
يمكن استخدام ثاني أكسيد الكربون المجموع بهذه الطريقة بشكل مربح أو ضخه إلى باطن الأرض، كما يحدث الآن في أنظمة احتجاز وتخزين الكربون التجريبية المصممة للاستخدام عموماً في محطات الطاقة التي تعمل على الفحم الحجري.
لكن هناك بديلا آخر أكثر إغراءً يتمثل في استخدام غاز ثاني أكسيد الكربون كمادة خام لأصناف الوقود السائل التركيبية لوسائل المواصلات. حيث تستخدم الكهرباء لفصل ذرة أكسجين واحدة عن جزيء ثاني أكسيد الكربون وذرة أكسجين أخرى عن جزيء ماء.
والمزيج الناتج، هو عبارة عن ذرة أكسجين وذرة كربون وذرتي هيدروجين، يعرف باسم الغاز التركيبي ويستخدم منذ قرابة القرن كمادة خام لصنع الوقود التركيبي والبلاستيك. والجدير بالذكر هنا أن شركة الطاقة «ساسول» في جنوب أفريقيا تقوم منذ زمن طويل بتصنيع الغازولين التركيبي والديزل التركيبي من الغاز التركيبي المنتج من الفحم الحجري.
وهكذا يمكن أن يكون لأنظمة احتجاز الكربون من الهواء تأثير مهم آخر في مقاومة التغير المناخي يتمثل في إيجاد بدائل تركيبية للوقود العضوي لا تتطلب حفر المناجم أو الآبار للحصول على الفحم والبترول والغاز الطبيعي.
إعداد ـ علي محمد
