حملت الفنانة الفرنسية بريجيب فاودر، أكثر من 60 لوحة تشكيلية من بلدها فرنسا، إلى دمشق، لتحكي فيها قصة علاقتها بفلسطين وملامستها عمق معاناتها جراء الاحتلال الإسرائيلي. لوحات بديعة متقنة غلبت عليها ميزة الحرفية اللونية والتشكيلية المفعمة بذخيرة معرفية.

ولم يكن غنى إبداعها هو الوحيد المميز والمعبر وجدانيا، حيث اختارت فاودر أن تظهر خلال افتتاح معرضها، الذي نظم مطلع يونيو الجاري من هذا العام، في المركز الثقافي في أبو رمانة، وهي مرتدية الكوفية الفلسطينية، مكللة بذلك صيغة وهج احتفاء لوحاتها بكافة مفردات وقيم ودلالات فلسطين، وخصوصا غزة المحاصرة، التي ركزت عليها كثيرا عبر تكرار هذه الكلمة(غزة) بصيغ جمالية وفنية عديدة.

شعر في الفن

تسرد اللوحات بأسلوب رشيق، وفنية جاذبة، بداية حكاية حب بريجيت فاودر للخط العربي، منذ عام 1994، ليأتي نتاجها في مجموع لوحاتها الإبداعية، بمثابة مزيج من الإلهام الشعري والجمالي النابع من خبرة اكتسبتها خلال إقامتها في لبنان، في الثمانينيات، وفي فلسطين المحتلة خلال التسعينيات.

تقص فاودر طبيعة مساق وتكوينات لوحاتها، إلى جانب آليات تجسيدها لهذا الفن: «إن الخط الذي أبني على أساسه لوحتي هو مكان حر وتعبير غير محدود، أستطيع عبره استخدام أساليب وأنماط فنية متنوعة، أحطم من خلالها المفاهيم، فأعيد بناءها وفق رؤيتي ومعرفتي.

أنا رسامة أوظف الكلمات في لوحتي عبر دلالتها، كما فعلت في كلمتي غزة وسلام». إن ما يشد في توضيحات وحديث فاودر عن هذا الفن، ذاك العمق والشمولية في معرفتها وثقافتها، فهي تشدد على أن معنى الكلمة لا يفقد دلالته مع تكرار الكلمة في اللوحات، بل يزداد أهمية.

غزة.. محور فني

يبرز جليا في أسلوب فن فاودر فرادة توظيفها وتطعيمها للوحات ببعض الكولاجات المعبرة، كالأقمشة التي طالما اشتهرت بها فلسطين، هادفة من ذلك التأكيد على الأصالة والتراث، اللذين يتمتع بهما الشعب الفلسطيني، ومتعمدة الربط بين هذه الرموز واسم المكان والهدف الذي يسعى إليه، وكأنها تحيك عناصر ومكونات معادلة طبيعية بأبجدية الفن، تظهر معها غزة في صميم لوحاتها كاسم أصيل في أرض فلسطينية تعشق السلام.

وقد ازدانت مجمل اللوحات في المعرض، بمعالم جذب خاصة في سياق هذا المعنى والتوجه، وهي تشرح مرماها في هذا الصدد: «ليست غايتي هنا إبداء وعكس منهج أكاديمي، فأنا بهذا الخصوص، اعتني بتجسيد وحشد الكلمة بصيغة توليف وتحضير متكاملة، لأضغطها وأعطيها أبعاداً لونية مختلفة تتناسب مع عشقي لهذه الأرض: فلسطين».

قيمة

صحيح أن توجه ومدرسة هذه اللوحات لفاودر، الفنانة الفرنسية، تتوضع كميزة وملمح لافت براق، لكن يبقى هناك عنصر آخر، يحوز أهمية وقيمة نوعية، ويتمثل في كون ريع هذا المعرض.

مخصصا لجمعية «التعلم عن طريق اللعب»، التي تعنى بتشجيع وتطوير الثقافة والفنانين الفلسطينيين، إضافة إلى دعم الحوار بين الثقافات وتبادل المعرفة، فضلاً عن الاهتمام بنشر قيم الاحترام المتبادل والتسامح والتعلم عن طريق الفنون.

وتقول فاودر في هذا الشأن: «إن هذه الجمعية أنشئت عام 2007 في فرنسا، وتتألف من مجموعة من الأصدقاء الأوروبيين والفلسطينيين، يسعون لأن تكون جمعيتهم مرجعاً للتوعية التعليمية والكفاءة التربوية والعلاجية، وهي تحرص لهذا على دعم الإرث الثقافي الفلسطيني والفنانين الفلسطينيين».

وختمت: «لا شك أن الثقافة تعد ناقلاً قوياً للهوية حين يعترف بها اجتماعياً كإرث قيم تتوارثه الأجيال، وكي تتشارك الثقافات يجب علينا معرفتها وامتلاكها، من خلال تقديمها لأطفالنا، ولا سيما في المناطق التي تعاني كفلسطين».

دمشق - أحمد كيلاني