ما إن شاع نبأ حصول الكاتب اللبناني أمين معلوف على جائزة «أمير أستورياس» للآداب في إسبانيا حتى انهالت الكتابات والتغطيات في الصحف الاسبانية والعالمية وراحت تتدحرج ككرة ثلج مشكلة نوعاً من الرأي العام المجمع على أهلية مؤلف «ليون الأفريقي» وجدارته في الحصول على الجائزة، إلى درجة توحي وكأن من كتبوا ويكتبون حوله يعتبرونه من أبناء جلدتهم في بلد لا يخفى على أحد اعتزاز مواطنيه بقوميتهم أو قومياتهم على وجه الدقة.

تحت عنوان «ابن الطريق»، كتبت الصحافية ماروخا توريس، الحائزة جائزة أمير أستورياس في دورة سابقة، مقالة في صحيفة «الباييس» الاسبانية حول معلوف معتبرة أن الحديث عن الهويات ينتفي في حضرة كتاباته وسيرته الذاتية مستشهدة بكتابه «بدايات»، الذي يقول فيه: «غيري قد يتحدث عن الجذور، تلك ليست مفرداتي، فأنا لا أحب كلمة جذور، وأقله صورتها. فالجذور تتوارى في التربة، تتلوى في الوحل، تنمو في الظلمات، تبُقي الشجرة أسيرة، منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز: «لو تحرَّرتِ، تموتين!»

وتتابع الكاتبة الاسبانية وتقول إنه كان يجدر منح الكاتب الفرنسي اللبناني الأصل جائزة «كونكورديا» أي جائزة التسامح والوفاق، ذلك أن أعماله تسير بهذا الاتجاه وحول ذلك تدور حياته كلها وحول ذلك يدور خطه الفكري، «لنقل أننا نقف أمام إنسان بقامة جسر يحث الآخرين على أن يتحولوا إلى صلات وصل، إنسان يبحث بصفته أديبا وباحثا وقبل ذلك صحافيا في التنوع والتعددية عن تلك اللحظة الساحرة التي يتبادلها المغايرون».

وفي مقالة أخرى كتبها خافيير فالينزويلا الحاصل على جائزة أمير أستورياس للآداب أيضا في الصحيفة الاسبانية عينها يقول إن لجنة تحكيم الجائزة تكافؤ أمين معلوف بصفته مدافعا عن تعايش الثقافات، مضيفا» قبل بضعة أسابيع خلت، وقع أمين معلوف مع خوان غويتيسولو وخوسيه ساراماغو ومانويل بيمنتال.

وأشخاص آخرون يتحلون بالعزيمة وصل عددهم إلى أكثر من 1600 مفكر من اسبانيا وخارجها طلبا ينص على منح جائزة أمير أستورياس للوفاق، «كونكورديا»، للموريسكيين المسلمين فى بادرة عرفان للثروة الثقافية التي أحضرها المسلمون لهذه الدولة بعد أربعة قرون من طرد طائفة المور (الأقلية المسلمة في الأندلس) بشكل نهائي من اسبانيا.

أما لويس سوبيلفيدا، الحاصل بدوره على جائزة أمير أستورياس للآداب، فلقد كتب في «الباييس» أيضا مقالة تحت عنوان «معلوف الأفريقي»، حيث يصفه بأنه «ساكن أرض الثقافة بعيدا عن الأحكام المسبقة والتجاهل المقصود.

أمين معلوف أحد أكثر الأصوات بزوغا في ثقافة البحر الأبيض المتوسط، فلقد منحنا عبر أعماله مثل ليون الأفريقي أو سمرقند تلك القطعة التي كانت تنقصنا من الموزاييك الثقافي والتاريخي للحضارات، لأننا لا نستطيع فهم أنفسنا من دون الاختلاف اللازم عن الآخر».

ويضيف سوبيفيدا أن «أعمال معلوف، التي يتمتع بخيال بلا حدود وصرامة تاريخية حرة حيال التأويلات المتقلبة غريبة الأطوار، تدعونا إلى التعرف على الرؤية الأخرى للحروب الصليبية، التي لا تتغذى على أسطورة المنتصر البائسة.

وإنما على تأمل الجار الذي يلح في الحفاظ على الفضائل والتقاليد المكونة لهوية وثقافة»، حيث يمثل معلوف حالة منقطعة النظير من التسامح بين الثقافات والحوار بين المتعارضين ورؤية للتاريخ تنأى بنفسها عن الأحكام الجاهزة أو الأيديولوجية.

وكانت لجنة تحكيم جائزة أمير أستورياس للآداب قد أعلنت الأربعاء الماضي عن فوز معلوف بدورة هذه السنة من هذه الجائزة القيمة، التي تعد من أرفع الجوائز في إسبانيا متفوقاً بذلك على ستة وعشرين أديباً كانوا مرشحين لنيل الجائزة من بينهم البريطاني جون لو كار المتخصص بالرواية الجاسوسية والبرتغالي الحائز جائزة نوبل للآداب خوسيه ساراماغو والكندية أليس مونرو والاسبانية آنا ماريا ماتزتي.

وذكرت لجنة تحكيم الجائزة أن «أعماله التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، دليل على أنه أحد أكثر الكتّاب المعاصرين الذين سبروا أعماق ثقافة حوض المتوسط، كمساحة رمزية للتعايش والتسامح».

وكان الكاتب اللبناني قد حصل على العديد من الجوائز القيمة على مدار مشواره الأدبي منها «جونكور» الفرنسية عن روايته «صخرة طانيوس» عام 1993.

كما يذكر أن عددا كبيرا من الأدباء المميزين قد حصلوا على جائزة أمير أستورياس في دوراتها السابقة ومنهم البيروفي ماريو فارجاس لوسا، والألماني غونتر غراس، والكندية مارجريت آتوود، والألباني إسماعيل كاداريه.

نبذة

ولد أمين معلوف في بيروت عام 1949 ودرس الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع في الجامعة الفرنسية، وعمل صحفياً في جريدة النهار اللبنانية، قبل أن ينتقل الى فرنسا في العام 1976 إثر اندلاع الحرب الأهلية.

شغل معلوف منصب رئيس تحرير مجلة «إفريقيا الفتاة» وغطى حرب فييتنام والثورة الإيرانية، قدم العديد من الروايات والأعمال الأدبية والتي تمحور عدد منها حول أحداث تاريخية مثل روايته الأولى «الحروب الصليبية كما رآها العرب»، و«ليون الإفريقي»، «سمرقند»، «صخرة طانيوس»، «سلالم الشرق»، «رحلة بالدسار»، «الهويات القاتلة»، «بدايات».

دبي- باسل أبو حمدة