قصة قصيرة بعنوان «المهرة» دفعت السلطات المصرية، أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لاعتقال القاص سعيد الكفراوي، وهناك في المعتقل كانوا يحققون معه صباحا على أنه من الإخوان المسلمين، ومساء على أنه شيوعي. هذا الحدث ترجمه الروائي نجيب محفوظ في رواية بعنوان «الكرنك»، التي تحولت في ما بعد، إلى فيلم سينمائي من بطولة نور الشريف.

جاء هذا التقديم في بداية المحاضرة التي أقيمت للكفراوي، بعنوان «القصة القصيرة في واقع إبداعي متغير»، في المركز الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، وذلك مساء أول من أمس، في مقر المركز، بحضور الشاعر حبيب الصايغ المدير التنفيذي للمركز، وعدد كبير من الأدباء والمثقفين.

قدمت للأمسية الشاعرة شيخة الجابري، مشيرة إلى أن الكفراوي أو «إسماعيل الشيخ»، كما ورد اسمه في فيلم «الكرنك»، ينتمي إلى جيل الروائي نجيب محفوظ، ويعتبر من رواد القصة القصيرة في العالم العربي، إذ أصدر 14 مجموعة قصصية، ويحضر الآن لرواية بعنوان «حافة الخليج» تلخص تجربته في السعودية طوال ثلاث سنوات.

وسائط الحلم

استهل الكفراوي أمسيته بعبارات أدبية بليغة التأثير: «الفنون جميعها، ومن بينها الأدب، وسائط يحقق الإنسان عبرها شغفه بالحقائق القديمة التي ما تزال صالحة لإثارة الدهشة، واستخدام خياله، واختار الإنسان فعل الكتابة ساعيا لامتلاك حريته، وتحقيق بعض من شوقه إلى العدل والجمال».

وأضاف سعيد الكفراوي: يعتبر خورخي لويس بورخيس رجل الأدب الذي هيأ لإبداعه، وحلم بالفردوس فتخيله على هيئة مكتبة شاسعة، وبقي حتى رحيله سيداً للسرد، وأيضا يصف «باسكال» صوت القصة القصيرة قائلا: «إن الصمت الأبدي لهذه الآماد اللانهائية يرعبني».

وعن علاقته بالقصة قال الكفراوي: «شاعت في الفترة الأخيرة، مصطلحات التعريف الناجزة، على أن الزمن قدم نفسه باعتباره زمناً للرواية.

وعلى بقية الفنون أن تبحث لنفسها عن أزمنة تستعيرها، والمصطلح أطلقه الصديق الناقد د. جابر عصفور، واصفا ما للرواية من قدرة على التقاط الأنغام المتباعدة لإيقاع عصرنا»، ومعتبراً أنها- حسب لوكاتش- ملحمة الطبقة الوسطى في بحثها عن المعنى والقيمة، وتجربة الفرد الذي لا يعرف أن يكون صيغة للجمع، وينتهي د. عصفور إلى اعتبار الرواية الشكل الأمثل للتأكيد على فكرة المثقف حيث هو الفاعل الاجتماعي الذي يتعامد على زمنه.

جدليات القصة

وحول ماهية ترتيب الكفراوي للأدب: «يخرج الشعر، وتتبعه القصة القصيرة من زمن الإبداع الفاعل، وينتهي أمرهما إما إلى النسيان، أو الحفظ في متاحف التاريخ، فيما نحن كتابها، نتأمل ما يجري بدهشة تدفعنا في أغلب الأحيان إلى الحزن، ونتذكر تشيخوف وكافكا وهيمنجواي بأسى يثير الرثاء، بل نتأمل ما كتبته أيدينا من مجموعات القصص، أو ما نشرنا عبر المساند العربية».

وكشف القاص المصري عن تجربته: «قضيت عمري كله ناسكا في تلك المساحة التي نطلق عليها محراب القصة القصيرة، وقصصي تحمل أسئلة ومعنى، وتنشغل بجدليات أمضيت عمري كله أبحث عنها وأكتبها على مهل، وآمنت برفقة بعض المخلصين لكتابة هذا الشكل.

قرأت وتعلمت أن تلك الجماعات التي يتناولها هذا الشكل، تختلف من كاتب لآخر، وعرفت أنه في الآداب العالمية والقومية، كما يقول اوكوثور إنهم عند ديكستر هؤلاء الفقراء الذين ينتمي هو إليهم، وعند غوغول الموظفوت، وعند دوباسان البغايا، وعند تشيخوف الأطباء والمدرسين وخدم البيوت والمصورين، وعند شيرود أندرسون أهل الريف، وعند هيمنجواي الذين يخسرون بشرف في مشوار حياتهم في ذلك الزمن، بين الميلاد والموت، وهكذا».

وفي وصفه لتقنيات القص، يستشهد الكفراوي بأحد أعلام القص في العالم، وهو الأرجنتيني خوليو كورتاثار، الذي قال إن القصة جنس مغلق سريا، جنس له لغة مميزة تجعله الأخ الشقيق للشعر، والقصة في آخر الأمر لا يمكن وضع تعريف لها، وأنها حتى تصل لكمالها الفني والأسلوبي لا بد أن تتسم بالإيجاز والتركيز، وأن تخلو من البلاغة والحشد والتعاليق الزائدة.

ويرى الكفراوي أن نمو الأدب القصصي ارتبط في مصر بنمو الطبقة المتوسطة، التي شاركت في تطوير هذا النوع من الأدب. وكما هو معروف فإن القصة الحديثة مصدرها الأدب الأوروبي عند روّاده الذين ذكر بعضا منهم، وأردف: «وكان الأدب العربي قد عرف نوعاً من القصص يشبهه ولكنه لا يخضع لقواعده، مثل الخبر، وله تاريخ قيم أنتجه الجاحظ في كتابيه «النجلاب» و«المحاسن والأضداد».

ثم كانت المقامة عند بديع الزمان الهمذاني، ثم الحريري في مقاماته، ثم النقلة المهمة حتى «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي عام 1898، إلى أن ظهرت القصة الحديثة بشكلها التقليدي لدى جيل من الرواد الشباب مع ثورة 1919».

وبعد سرد موجز عن أبرز أعلام واتجاهات القصة في العالم العربي المعاصر، عاد الكفراوي إلى الحديث عن تجربته: «يتحدد عالمي في إنتاج كتب تحمل تجربتي من خلال القصص التي تتضمن نمطا من السرد عن تجربة إنسانية عشتها.

محاولا التعرف الى تلك المنطقة الغامضة من الواقع المصري، ومن الخيال القروي بكل تجلياته في الحكي والمأثور وإرث الطفولة، فقد انشغلت بالتعبير عن الطفولة التي تعني عندي محاولة فهم الغامض والشغف بالطلاسم».

وبشأن علاقته مع الزمن، قال: «يحيرني الزمن في ما أكتبه وأسعى إليه، وقد حددته عندي أستاذتي الدكتورة سيزا قاسم بقولها: (الكفراوي لا يتكلم عن الماضي الجميل ولكنه عن قدرتنا في أن نعيش في أزمنة مختلفة، وأن نتخلص من نير التاريخ).

أما المكان لدي فيشبه الواقع، حتى إذا جاءني في الحلم، فله نفس ملامح الأمكنة التي عشت فيها، وأخيرا اللغة هي كما يقول إدوار الخراط «سقف العالم»، ولغتي هي بناء عالمي الذي أكتبه، تحمل خوفي وتحشد بالشعر والأساطير تعبر عن الجماعة لأنهم يتكلمون هكذا».

أبوظبي - عبير يونس