مهير الكتبي سافر شاعرنا مهير الكتبي في شبابه مثله مثل أبناء جلدته خارج حدود فضائه المكاني الذي ولد فيه سعياً وراء الرزق. فمنذ أوائل أربعينات القرن العشرين حتى أواخر ستيناته، كان العديد من أبناء الإمارات يذهبون للعمل في الكويت، وقطر، والبحرين، والدمام.
وقد اضطر العديد من رجال القبائل المحليين إلى العمل بغية كسب رزقهم، بسبب نقص مؤقّت في الأراضي أو الحيوانات نتيجة سلسلة من السنوات التي قَلَّ فيها هطول الأمطار، أو الحظ السيئ، ولكن معظم الناس آنذاك اعتبروا أن العمل لحساب الآخرين لم يكن إلاّ لمرحلة قصيرة أثناء الحياة العامة.وكانوا ينتقلون إلى هناك بواسطة المراكب الشراعية، وكان البعض ينقل الركاب والبضائع على طول الساحل على متن المراكب ذات المحركات البخارية التي كان يملكها البريطانيون. وكان العديد من أصحاب تلك المراكب الشراعية من الإمارات، كانوا ينقلون الناس الذاهبين للعمل في تلك المناطق، ويؤدون كذلك بعض الخدمات البريدية، البسيطة، كأن يأخذون الرسائل، والعسل والدهن.
والمأكولات المنزلية إلى الأماكن المقصودة، ويُحضِرون الرسائل، والمال، وأكياس الأرز والطحين، والعمال العائدين إلى ديارهم والأغراض التي اشتروها، وكانوا يتقاضون أجراً مقابل كل غرض ينقلونه إضافة إلى [النول] وهي الأجرة الأساسية على نقل الركاب. (1)
سألته: في شبابك ألم تكن تسافر خارج حدود هذه المنطقة التي عشت فيها..
قال: (بَلى، سافرت إلى السعودية قبل أن أعمل في الجيش، وعملت في الظهران، وخلافه في الخبر، والدمام، كثيرون ساروا الظهران، كان عندي ربع ساروا معي، كان معنا الشاعر الحزيمي راشد بالعبدة الشامسي، اشتغلنا في البناء، في السميت والطابوق، ندّور العيشة، وخلاف اشتغلنا هني الخْضر (منطقة)... جلسنا ما يقارب السنة هناك، عقب رَدّينا ماعَطونا شَيْ، ماحَصّلنا حتى الأجرة اشتغلنا ببلاش. ولي مشاكاة مع ربعي من الشعراء، شاكيت الشاعر معيوف بن شوين بن أحمد الكتبي، كنا شبابا، وكان معنا يشتغل هناك في السعودية. قلت له أشاكيه.. وأنا صغير يوم أقول هذا القصيد..
أنْدَبت للشاعر تماثيل حَشا ولا بْي زود شَفّات
لكن بيْ زين التعازيل
اللي يرحّب عشر مرّات
لي حَطْ في حالي سُواعيْر وادْعَ عمور الجَبْد لثّات
من سرت عنك في غرابيل والقلب كنّه فوق ليتات
تقلاني حمّى المداهيل وغثيت نومي والمعاشات
وان حق عند الرب تدبير وشمنا وسرنا وسط لنجات
منقول نولك والمخاسير ويسد عنك كل حايات
حَنْ واشتاق الشاعر معيوف بن شوين وودّه بشوفَة البلاد، هو، مشتاق لهَلَه ورَبْعَه، عاد طَرّش لي قصيد يقول لي فيه:
ونّيت والدمعة وِحِيَّه
يوم العباد رقود مابات
ماريت اللي يرد الشكيّه
بَنْدِب جِدا مهيّر سلامات
وخْلاف رَدّيت عليه وقلت له:
رحّبت بردود الشكيّة
وأثنيت في رد السلامات
ياذا الخوي تَنْحي عَليَّه
وأنا سِهيْر النوم مابات
مالي على القامة بغيّة
ولا اشوف لي في الدار لَذّات)..
يقول: عملت في الجيش، جيش بريطانيا، جيش الانجليز (1)، في الشارقة سَجَّلونا، يوم دخلتها كان سنة 1957، وفي سنة 1958م كنا في الحرب، حرب الجبل الأخضر في عْمان، رجعنا من هناك آخر سنة 1958م، أيام طالب وسليمان بن حمير.. قضينا سنة تقريباً قاصر شوي في الجبل الأخضر وسنة أخرى خدمنا في عِبْري..
ومن زملائه من الذين عملوا معه في تلك الفترة...
فيذكر منهم: عبيد بن راشد بالعرطي، كان هناك، وكان معنا أيضاً صالح بن ثاني النيادي، ووايدين وهَلْ بَالخيْل، كان محمد بن خميس بن روّية وسعيد بن مبارك بن سبت، كلهم كانوا معنا.. وهم اخواي.. كانوا هناك.. ومن الضباط كان عندنا ضابط يمني ملازم يسمى أبو عمشه.. خلاف حصلوا ضباط، حصّل سيف بن مبارك الريامي وغيره. قبل الوظايف ما كانت بسرعة تييي تاخذ وقت لين اتحَصّل رتبة.
قضيت تسع سنوات في قوة كشافة ساحل عمان. كنا في الشارجة، ووزعونا عقب على سرايا وكنا نداوم في مراكز مرة في الشارجة، ومرة في مِرْفع داومنا غربي طريف، ومرة في الجاهلي في العين.. نتبادل السرايا. ومن الضباط الانجليز.. وايدين كانوا، ويتغيرون كما تعرف، أذكر واحد اسمه كابتن(غليطن) وفي واحد يسمى ميجر (باد)، وكان في واحد عندنا يسمى (تِميسْ)....
70 روبية
أما الرواتب فكانت على 70 درهما بالشهر في الحرب زوّدونا وعَطْونا 100 روبية هندية، إن كانت ريال قرطاس وإلا ريال وَرْشو، والاِمْيه روبية في هاذيك الأيام لها دور، كانت تجيبلها دنيا...
وكان عندنا من الضباط بَعَدْ عبيد بالعرطي في أبوظبي هو وخلفان بن مطر الرميثي، وعبيد بن سالم الخييلي، وسنة 1959م رَدّينا إلى قواعدنا إهْني وكانت في الشارقة، وخْلاف يوم شَكَّل الشيخ زايد الله يرحمه جيش قوة دفاع أبوظبي، طلعنا نحن جماعة الشيوخ كل من حمل جواز أبوظبي انتسبنا إلى الجيش الذي شكله زايد، وبعد أن سجلنا داومت في مقر قيادة الجيش، وخلاف داومت في الحرس الأميري والحرس الخاص...)..
هذه المرحلة كانت أهم مرحلة من مراحل حياته حيث تَدَفَّقَ بعدها ينبوع الشعر كما قال.
حين سألتُه: أخبار القصيد عندك في ذلك الوقت..؟
أجابَ بلهفة التَّذكُّر: (يا الله، القصيد، عاد في هذاك الوقت استوى القصيد..) ويتذكر قصيدة مشاكاة.. (مرة أشاكي واحد من خوايانا وهو الشاعر مبارك بن ضحي الكتبي، أقول له..
آه يامِنْ وَنّ من علّة في مْعَلوق الجَبْد وفوادي
لوف لين مبارك وقل له اللي يفتهم للقول ويسادي
وعَلَّقَ شاعرنا على هذه الأبيات قائلاً: هذا من القصيد الاولي..
ولما سألته: هل رد الشاعر مبارك بن ضحي على مشاكاتك؟ أجاب: هِيْ نَعَمْ وطَرَّشْ لِيَ الرد وقال..
حَي من يانْي سلامٍ لَه عند اللي يِعاني وقَصّادي
ياالخويْ إن كان بِكْ عِلة لاحِجَه مَعْلوق لِفْوادي
وْصِلَه يوم العَرَب فَلَّه وناقشَه في اللي مضى وسادي
هذا ماأبداه شاعرنا من بعض إضاءات، حولَ حياته، وحولَ شعره، وهذه الملاحظات نحسب أنها رواية شفوية أولى تحتاج بلاشك إلى كثير من التقليب والبحث والدراسة، والتاريخ الشفاهي أو الشفوي، هو التاريخ الذي يرويه أبناء كل فترة من الفترات عن فترتهم، وهو يُعد مصدراً من مصادر تاريخ الأمم والشعوب في كل فترة من فتراتهِ.
حيث تظل الأحداث وحركة المجتمع محفوظة لدى أبناء الفترة التي عاصروا أحداثها، وشهدوا حركة المجتمع فيها، وعايشوها، وحفظوها في صدورهم بدقائقها، وتفاعلهم مع أحداثها، وتأثرهم بها، و رسوخ هذه الأحداث، وحركة المجتمع في ذاكرتهم، وتخزينها في الذاكرة كجزء من تجاربهم ومعاناتهم، وكل هذه التجارب محفوظة في الذاكرة لا تمحوها الليالي والأيام، سيظّلون يروونها في مجالسهم الخاصة كمشاهدين ومشاركين في هذه التجارب التي مرت بهم.
وعملنا هذا في الحقيقة لايخرج عن كونه محاوَلَة لجمع شتات مثل هذه الروايات المهمة برأينا، ليس لأنها روايات تتعلق بالتاريخ الشفوي المحلي لدولة الإمارات، بل لأن روايتهم لهذه الوقائع والأحداث، تحوي تفاصيل دَقيقة، قد لا نجدها في التاريخ المسجل.
ولا في الوثائق الرسمية، التي تهتم بنوع معين من الأحداث وتسجله، ولا تسجل دَقائق الحياة اليومية، التي لا يهتم بها التاريخ المسجل، وبصورة خاصة حركة المجتمع والحياة الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية بين الأفراد والأسُر التي كانت تعيش في المجتمع، ولكننا نحصل على كل ذلك من الرواية الشفاهية، التي نأخذها من المعاصِر من أبناء الفترة الذين عاشوها، وعاشوا أحداثها، والتي تعطينا صورة تفصيلية مرسومة بريشة معبرة ودقيقة، فكيفَ إذا رُسِمَت بريشة شاعر.
في الصحراء تحت ظل غافة
حين زرتُ الشاعر الوالد مهير بن سعيد بن ساري الكتبي من منطقة الهير، القريبة من العين، وتطرق الحديث الى مكان مولده، سألته قاصدا اين ولد بالتحديد، وهل يعرف المكان الذي ولد فيه، أين يقع اليوم .
وقد تجاوز عمره السبعين عاماَ أطال الله في عمره، وقد فاجأني بالإجابة التي أسعدتني بالفعل، أنه ليس فقط يعرف المنطقة التي ولد فيها بل والغافة التي ولد تحتها وفي ظلها، وطلب مني أن أزوره يوماَ لنصوّر البقعة التي شهدت مولده، والبقعة التي شهدت مراسم زواجه وهي ليست ببعيدة عن الاولى.
وبالفعل زرته بعد فترة، وكان بوسعيد ينتظرنا مشكوراً خارج الخيمة الحديثة المقامة قرب منزله في الهير، وركبنا معه السيارة ذات الدفع الرباعي وكان مصراَ على قيادتها بنفسه، وانطلق بنا الى منطقة قريبة من الهير تبعد حوالي 6 كم الى الشمال منها،وحين وصلنا الى منطقة تشبه مزرعة نخيل صغيرة المساحة تقع في منخفض أرضي، وأعلاها كثبان رملية منبسطة فيها عدد من أشجار الغاف السامقة الطول، أوقف السيارة ونزلنا في منخفض الوادي وأشار لي أن أتبعه وانطلق يصعد كثبان الرمل بروح الشباب باتجاه (الغافات) وحين وصلنا الى الأعلى وقف تحت غافة منها، وقال لي:
أنا طايح (ولدتُ) تحت هذه الغافة، وأشار بيده الى غافتين غير بعيدتين من المكان الى يمينه وقال: وتحت تلك الغافتين استوى عرسي تحتهن عَرَّستْ (تزوجت) وهذا المكان الذي نقف فوق رماله يسمى (شْرْفْ اليفار) والشّرْف كلمة فصيحة تعني المكان العالي المُشرِف على وادي، وأشار الى المزرعة والنخيل الذي فيها وقال:
وهذا هو (طوي اليفار - بئر) والنخل اللي تشوفهن هدية من الشيخ زايد الله يرحمه للسعودي [سعيد بن سالم الكتبي] يوم يخطب الشيخ زايد الشيخة فاطمة واستوى العرس هني بعد قريب اليفار تحت غافات بسمَّنْ (غافات زاخر).
ذَكًّرَني هذا التوثيق المكاني الذي فرحت بالحصول عليه لشاعر كبير ومهم وسجلته بالصوت والكلمة والصورة، لأمكنة ذكرها شاعرنا في قصائده، وبذلك استطاع توثيقها شعريا أيضاَ، وهذا مدخل سيقود بالتالي الى خلود تلك الأمكنة، مثل الخلود الذي حظيت به أمكنة لازلنا نذكرها الى اليوم كلما قرأنا قصائد ومعلقات الشعر الجاهي.
ذَكًّرَني هذا التوثيق باختلاف الباحثين في تحديد المكان الذي ولد فيه شاعر الامارات الأسطورة الماجدي بن ظاهر.كم هي مظلومة عندنا الأمكنة. ورغم صدور العديد من الاصدارات التي تناولت سيرة هذا الشاعر ومسيرته الشعرية، إلا أننا الى اليوم لم نجد باحثاَ يحدد لنا بدقة اين ولد ابن ظاهر.
عسكري
عملت في الجيش، جيش بريطانيا، جيش الانجليز في الشارقة سَجَّلونا، يوم دخلتها كان سنة 1957، وفي سنة 1958م كنا في الحرب، حرب الجبل الأخضر في عْمان، رجعنا من هناك آخر سنة 1958م، أيام طالب وسليمان بن حمير.. قضينا سنة تقريباً قاصر شوي في الجبل الأخضر وسنة أخرى خدمنا في عِبْري..ي
كتبها ـ عمار السنجري
صفحة أسبوعية تعنى بالتراث والتاريخ المحلي، تستجلي آفاق الحوار الحضاري مع جذور الآخر من خلال العناية بما قدمته مدارس الاستشراق في ميدان الثقافة العربية الإسلامية.

