تاريخ كل إنسان هو مختصر لتاريخ العالم، فالحاضر هو أهم لأنه هو بيدنا، إن الحاضر أقل ما نملكه فكما يقول جورج هامل: ( بين المستقبل والذكرى يظل الإنسان في قبضته أقل شيء يملكه وهو الحاضر).

وهو أثمن ما نملكه، فلنعشه بملء، فابن الجبال المتحدر من اصقاع بعيدة وكما تكون الجبال شماء تكون همم ابنائها كذلك فلا الفقر اوقفه ولا ضنك العيش منعه من تحقيق حلمه، درس، تعلم، حقق حلم والدته بالتفوق والنجاح فدرس في الجامعة وتخرج فيها معيدا ودكتورا ورجلا اكاديميا يجول بنظره يمنة ويسرى مستجلبا اياما مضت، كان يتشاطر فيها مع اسرته المكونة من تسعة أشخاص غرفة واحدة، كبرت الغرفة لتصبح بحجم وطن لم تحت جناحيه امارات الدولة ولتصبح الامارات بأكملها بيته وملاذه.

إنه محمد إبراهيم محمد سلطان بن حارب بن رابوي الرميثي الذي يحدثنا قائلا: ولدت في منطقة شعم رأس الخيمة 1959 وهذا تاريخ تقديري ربما يزيد سنة او ينقص أخرى لأن الولادة كانت في المنازل ولا توجد مشاف إلا نادراً والحياة صعبة.

الاصول والنشئة

اصول والدي من الشارقة من قوم بن حارب، والدي مولود في الشارقة وجدي محمد بن سلطان كان متزوجا من الشحوح من شعم جدتي شحية وبالتالي والدي عاش عند والدته في شعم بعد ان طلقها جدي. يقطن منطقة شعم الشحوح وهي مصيف يأتيها الناس من مختلف الإمارات حتى من الجزر، حيث فيها البحر والصيد والزراعة والعنب والمانجو والجوافة.

في الوقت الحالي انتهت كل هذه ودخلت الصناعة وأثرت في الناس وسلوكياتهم وتوجهاتهم.

الكتاتيب نواة التعليم

درسنا في الكتاتيب عند المطوعة فاطمة بنت ناصر، والمطاوعة نتأثر بهم إلى الآن لأنهم غيروا من شخصياتنا وهم بداية النواة العلمية التي غرست في ذواتنا.

ختمت القرآن وأنا ابن الثامنة، بعدها جاء التدريس، وكل المدرسين في شعم كانوا من فلسطين. وتبرع أمير المنطقة بمجلسه للطلاب، وهو عبارة عن غرفة ولكنها اصبحت مدرسة بعدها انتقلنا إلى مخزن البضاعة في زاوية تتكدس فيها البضائع وفي الزاوية الاخرى نتكدس نحن، والطلاب بعضهم عمره 15 عاما وآخرون عمرهم 5 اعوام. بعضهم واصل والآخر ترك الدراسة، وكنا منسجمين مع البحر ونحترف الصيد كهواية، ارتبطت بالصيد حتى لما وصلت للجامعة.

أسماؤنا تذاع بالراديو

أذكر كنا في الصف الرابع الابتدائي أواخر الستينات، صرف لنا راتب في كل شهر 30 درهما، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت. والدراسة كانت مدعمة بالرحلات المحلية بالأنشطة بينما فتحت المدرسة وكنا في الصف الثالث، درست الابتدائي.

وكانت الشهادة تأتي من قطر وتذاع النتائج بالراديو فكانت قيمتها العلمية كبيرة، ولكن للأسف أيضا كانت نسبة التسرب كبيرة جداً ثم انتقلنا الى الإعدادي بمدرسة شمل، وما بين شعم وشمل 30 كيلومترا وهي مسافة بعيدة في ذلك الوقت فكنا نسكن بسكن داخلي وانهينا الثانوي فيها.

التدريس والضرب

أول مدرس درسنا اسمه جلال، ومازال موجوداً في الدولة وتأثرنا به حيث كان قاسياً إلى درجة عالية، ويقوم بضربنا بعصا ونبقى أسبوعا لا نستطيع الدوام، فالضرب على الخلف كان مباحاً فكنا نعود للبيت وننام حتى يتم استشفاؤنا لأننا لا نستطيع الجلوس على المقاعد.

كنا نلعب ألعابنا الشعبية في ذلك الوقت وهذا بعد الدوام أو في المساء، فكان عندما يرانا المدرسون يسجلون أسماءنا وفي الصباح يتم ضربنا، وهذا الضرب لم يكن مبرراً علمياً.

جامعة الإمارات صرح حضاري

جامعة الإمارات نتاج فكر لمؤسس عظيم لن ننساه نحن والبشرية جمعاء، انه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، فقد كانت آماله كبارا ان يرى صروحا علمية تبنى على ارض الدولة.

وتجمع شمل طلابنا الذين في الخارج وتكون الإمارات صرحا علميا وحضاريا فتحقق له ما أراد فعند وصولنا الجامعة 1977 وهو الافتتاح الرسمي لجامعة الإمارات وكنا الدفعة الأولى تعاملنا مع شباب لهم توجهاتهم وتعرفنا على الغير، وبدأ الإنسان منا يتفتح وعيه ثقافياً واجتماعياً وعلميا.

الجامعة فتحت مداركنا، تأثرنا بأساتذتنا وكنت جيداً في الاقتصاد واي مساق آخذه احصل فيه على امتياز تخصصت في الاقتصاد، ومن هذا المنطلق شجعني أساتذتي وأكملت دراستي في جامعة اكسترا في بريطانيا.

سنة 1977 كانت الدفعة الأولى دفعة فريدة ولا تتكرر واستقطبت الجامعة الكثير من شباب الوطن في الخارج، حتى أن طلاب سنة ثالثة ورابعة في مصر عادوا للجامعة، وأناس خريجو ثانوي في 1960 عادوا للدراسة ترى الأب والأبناء في الجامعة في نفس الدفعة.

كل الأسرة في حجرة

عشنا في بيوت من حجر ومدر بلا كهرباء بل على الفنار، نحن عائلة كاملة أنا ووالدي ووالدتي وإخواني 4 رجال و3 بنات كلنا عشنا في غرفة واحدة من حجر ومدر وسقف دعوم وخوص، والحمد لله تغيرت الأمور بعدها وسبحان مغير الأحوال.

حلمي بالجامعة

عند تخرجي عملت في وزارة المالية والصناعة 1981 عملت 6 أشهر، وكان حلمي في الجامعة وكنت أحب العلم وإكمال الدراسة وبمجرد ما ظهرت وظائف شاغرة عدت معيداً في شهر 1981 ولي الآن أكثر من 29 سنة منها 16 سنة دكتورا والباقي معيداً.

الوالدة شجعتنا على التعليم

حصلت على الدكتوراه 1989 من جامعة اكستر في بريطانيا، الوالدة كانت تدعمنا وتشجعنا للتدريب العلمي، وأنا الكبير وإخواني ثلاثة وأخواتي كذلك أخي عبدالله طبيب وآخر متخصص كمبيوتر ووبعضهم مدرسون والحمد لله كلنا انهينا تعليمنا وحصلنا على جائزة تقدير كأسرة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك.

أكاديمي وكاتب

مذ أتيت الجامعة كدكتور بدأت أدرس ودرست الكثير من المساقات، اقتصاد إسلامي، نقود ومصارف، اقتصاد عمل، صناعة، بترول كل فروع علم الاقتصاد ودرست في كلية شرطة دبي سنتين كمنحة خارجية وكمنتدب من جامعة الإمارات بالإضافة إلى عملي في الجامعة وهو نوع من خدمات المجتمع. كنت أكتب في الصحف اليومية في جريدة «البيان» على مدى سنتين يوميا وكتبت 600 مقال في مختلف القضايا الاقتصادية.

بعدها كتبت في جريدة «الاتحاد» لمدة 3 سنوات كمقالة أسبوعية، كتبت أكثر من 160 مقالة اقتصادية وكتبت 13 بحثا علميا. ولي كتابان، واحد مشترك مع الدكتور صديق ناصر اسمه: المدخل الاقتصادي الإسلامي المقارن، ونشرته ندوة الثقافة في دبي وكتاب آخر: النقود والبنوك مع تطبيقات على اقتصاد الدولة، ونشره ديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي.

مدير منتدب

انتدبت سنة 1997 للعمل في الدائرة الاقتصادية في رأس الخيمة أو لتأسيس الدائرة، حيث لم يكن فيها دائرة وعملت رئيس تحرير مجلة آفاق الاقتصادية التي يصدرها اتحاد غرف التجارة والصناعة في الدولة.

النفط عماد الثروة

عندما درست في جامعة الإمارات درست «سياسة واقتصاد» وتخصصت بهما، الحقيقة الاقتصاد يؤثر بالسياسة والعكس صحيح وأغلب القضايا الاقتصادية لها أبعاد سياسية، فالنفط .

وهو محور الاقتصاد منذ قيام الاتحاد فلو لم يكن نفطا لاختلف شكل الاتحاد كل كبيرة وصغيرة تتأثر بالنفط سلبا وإيجابا، القيادة الحكيمة استطاعت أن تسخر الثروات ومقدرات الأمة تسخيرا ممتازا وتنشئ بنية أساسية قوية في مختلف القطاعات فنجد شبكة طرق راقية، مطارات، موانئ ومنتزهات ومؤسسات تعليمية ومرافق عامة.

الأمن القطاع الأهم وله بعد اقتصادي كبير، حيث وفر لنا داخليا وخارجيا الأمان وهو ضرورة قصوى فلا تنمية اقتصادية دون تنمية أمنية.

بنيتك الأساسية هي الأهم وبذلك أنت تسهل للبنية الفوقية هناك سباق نحو التصنيع لإدراك الدول أن الصناعة هي المفتاح للتنمية الاقتصادية فبلد مثل دبي ناجحة اقتصاديا وتسويقيا وكذلك الإدارة والتسويق يعتبران من العوامل الجاذبة للسياحة، فالسواح يذهبون لبلد ليس فيه من مقومات السياحة إلا التسويق وهذا ناجح.

العولمة وتحرير التجارة

من أهداف العولمة تحرير التجارة أي إزالة الحواجز الجمركية وإلغاء الضرائب، وأنا كرجل أكاديمي ومدير عام دائرة اقتصادية سابقا المفروض أن يكون عندنا هدف من هذا النوع حتى لو كان بعيد المنال فدولة الإمارات دولة اتحادية فنحن على مستوى الإمارة الواحدة نبني مؤسسات اقتصادية وعلى المستوى الاتحادي نبني مؤسسات اقتصادية فتصبح هناك ازدواجية في العمل في الكثير من الأشياء.

فمن تصوري وتجربتي أنه لا داعي لوجود دوائر اقتصادية محلية يمكن وجود وزارة الاقتصاد والتجارة تغطي هذا الأمر والدوائر الاقتصادية تكون فروعا للوزارة.

الاقتصاد الحر

نحن نعيش في اقتصاد حر كل دول الخليج، كذلك وهو نظام رأسمالي حر وفلسفته تقوم على حرية الفرد لكن هذه الحرية لا تترك جزافاً أو مطلقة ولا يترك العنان للتجار.

الدول تتدخل في كل أنحاء العالم. أميركا معقل الرأسمالية تتدخل بالاقتصاد ولها باع طويلة في ذلك وهناك سياسات اقتصادية تدرس، لابد للدولة ان تدخل فيها كأن تشكل لجنة من الوزارات الحيوية وزارة المالية ووزارة الاقتصاد، المصرف المركزي، تستفيد من الخبرات تفكر بحل المشكلات فمثلا التضخم النقدي ظاهرة عالمية ولكن ليس بهذه الصورة فمعدلات التضخم النقدي في السنوات الأخيرة تزيد على 9 بالمئة.

حلول

هناك حلول اقتصادية، مشروع محمد بن راشد لدعم الشباب مهم وحيوي يساعد في حل المشكلات، فمشكلة البطالة بين الشباب المواطنين من الجنسين ظاهرة غربية وخليجية للأسف تحتاج حزماً.

فالدولة مسؤولة عن توظيف الشباب لذلك في دول عدد سكانها ملايين لابد من وجود للبطالة ولكن الدولة هنا عدد سكانها صغير فكيف تكون هناك بطالة، فالقول ان المواطن غير مؤهل غير صحيح. تغيرت الصورة فالمواطن على استعداد للعمل بوظائف بسيطة جداً.

اقتصاد موحد

نتمنى أن يكون كل الخليج وحدة اقتصادية مثل الوحدة الأوروبية التي تجاوزت حروبها وصراعاتها وأصبحت موحدة جالبة معها أوروبا الشرقية التي لاشيء عندها على مبدأ توسيع القاعدة الجغرافية والسياسية. رغم الاختلال بالميزان لصالح اوروبا الغربية علميا.. ثقافيا.. اقتصاديا واجتماعيا.

وارى ان الاستثمار الأجنبي إذا دخل البلد باقتصاد حقيقي ملموس كبناء مصانع فهذا جيد اما الاستثمارات المالية لا تفيدنا.

دراسات للمجلس الوطني

عملت ندوة في أبوظبي منذ وقت طويل، وأنا شاركت في أكثر من 40 مؤتمرا وندوة وعملت دراستين للمجلس الوطني الاتحادي واحدة بعنوان «نحو تطوير الميزانية العامة للدولة سنة 2000» اقترحت موازنة البرامج والأداء وطبقت عام 2003 واقترحت ان تطبق كتجربة في بعض الوزارات لكنها طبقت في كل الوزارات.

وقدمت دراسة عن التشريعات الاقتصادية في الدولة، كيف نعمل تعديلات وتحسينات على التشريعات كوني اعتبرها جزءاً من البنية الاقتصادية.

7197

جامعة الإمارات نتاج فكر لمؤسس عظيم لن ننساه نحن والبشرية جمعاء، انه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، فقد كانت آماله كبارا ان يرى صروحا علمية تبنى على ارض الدولة. وكان العام 1977 وهو الافتتاح الرسمي لجامعة الإمارات وكنا الدفعة الأولى.

انتداب

انتدبت سنة 1997 للعمل في الدائرة الاقتصادية في رأس الخيمة أو لتأسيس الدائرة، حيث لم يكن فيها دائرة، وعملت رئيس تحرير مجلة آفاق الاقتصادية التي يصدرها اتحاد غرف التجارة والصناعة في الدولة.

اعدها للنشر ـ عبد المنعم شديدي