على طول الشارع العثماني في بيروت تنتشر البنايات الآيلة للسقوط، بحجارتها الصفراء، في حالة يرثى لها، حيث أن أسقفها على وشك أن تنهار، وشرفاتها متصدعة، وتنتشر على سلالمها قطع الخشب والورق، أما نوافذها المزخرفة فإنها تهتز أمام الريح لأن الحرب قد أفقدتها زجاجها، وتم استبدالها بقطع من البلاستيك الممزقة.
مشاهد تعلن بإصرار نهاية بيروت العثمانية وانهيار ذكرى التاج العثماني لصالح البنايات الحديثة، التي يشيدها أرباب المصالح المختلفة. تلك المشاهد تعلن ايضاً أن اللبنانيين، الذين كافحوا طويلاً من أجل الحفاظ على بلدهم، تغافلوا عن تاريخهم.
نظرة واحدة إلى أول مدرسة تأسست في بيروت تضم بين جنباتها طلاباً من مختلف الطوائف اللبنانية، قد تكون كافية للتحقق من هذا، فالمدرسة، التي تأسست عام 1863، ضمت، يوماً ما، طلاباً من مختلف الطوائف المارونية المسيحية والشيعة والسنة، أما الآن فصفوفها تحولت إلى مقاهي بائسة، وأقواسها العظيمة اختفت خلف الجدران الأسمنتية، حيث تحولت إلى ملاذ للقطط والنفايات.
بطرس البستاني، الذي أسس تلك المدرسة وغيرها من المدارس الوطنية، كان من كبار مفكري القرن التاسع عشر في لبنان، وناشراً للعديد من المجلدات الأكاديمية، كما أنه وضع قاموساً مشهوراً باللغة العربية، بالإضافة إلى موسوعة كبيرة.
بقرب تلك المدرسة، يوجد بيت سليم داهش، مؤلف لأكثر من 150 كتاباً، موجودة الآن في معرض داهش في منهاتن في نيويورك، وتقيم في ذلك البيت المهجور ابنته، التي تبلغ من العمر الآن 88 عاماً، حيث يعتني بها الجيران وأهل الحي، وتمضي معظم وقتها في مطبخ يصلح لأن يكون ملاذاً للأشباح.
فهل من المعقول أن يتخلى لبنان عن كل ذلك التراث لتحقيق أطماع تجارية بحتة، وبناء العمارات مكانها؟ تمتاز ضواحي أخرى في بيروت بالأصالة والتاريخ، فضاحية زقاق البلاط كانت من أهم الأحياء في بيروت، واكتسبت اسمها هذا لأن الإمبراطورية العثمانية رصفت أزقتها بالبلاط، وكانت تمتاز بطابعها الارستقراطي، حيث كانت القصور والفلل تحيط جوانب شوارعها، وهي ليست عثمانية فقط، فهي تحتوي أيضاً على أول دار نشر أميركية في بيروت، في القرن التاسع عشر.
تعاني تلك الضاحية الآن من الزحف العمراني، الذي تقوده شركة سوليدير بمشاريعها الضخمة لبناء وسط بيروت، وبناياتها التي تطاول السحاب تهدد بإزالة تاريخ تلك المدينة، وتحاول مؤسسة التراث الوطني جهدها من أجل حماية تلك المنطقة من الدمار، تدعمها في ذلك الناشطة ريما شحادة، التي تسكن في بيت من العهد العثماني، وبحاجة إلى ترميم لكن هل ينبغي دوماً حماية الماضي؟
تكمن المشكلة في أن العقار لا قيمة له في بيروت، إنما الأرض هي المهمة، إذ أن قصراً مكوناً من ثلاث طبقات، مثلاً، لا يستحق بنظر الكثيرين الحماية، إذا كان البديل إقامة مجمع سكني أو تجاري مكون من عشرين طابقاً مكانه. كما أن قوانين حماية التراث في لبنان قديمة، وتعود إلى عشرينات القرن الماضي.
عقد اللبنانيون، أخيراً، مؤتمراً لبحث الآثار التي قد تنجم عن وقوع زلزال اتفق الجميع على إمكانية حدوثه في المنطقة، وقالوا إن البنايات العثمانية تحتوي على الكثير من الخشب، لهذا فإنها ستكون قادرة على تحمل آثار الزلزال، الأمر ذاته ينطبق على المجمعات التجارية الحديثة، التي يمتلكها أغنى أغنياء لبنان، لأنها مزودة بواقيات من الصدمات، ويبقى النوع الثالث من البنايات، وهي التي بنيت في الخمسينات من القرن الماضي.
اعداد ـ يوسف جباعية
