يفيد تقرير «نظرة على الإعلام العربي» الصادر مؤخراً عن «نادي دبي للصحافة» أن الانتشار الفعلي للبث المشفر في الإمارات يصل إلى 72% (طبقا لعينة مكونة من 402 شخص مشاركين في البحث من الدولة). ويشير هذا التقرير الذي صدر قبل الدورة الأخيرة ل«منتدى الإعلام العربي»، أن هذا الانتشار يعتبر الأعلى في المنطقة.
وفي الوقت الذي تراوح فيه نسبة المشتركين في التلفزيون مدفوع الثمن، عند معدلات وسطية، فإن تقارير عادات المستهلك، أي المشاهد في هذه الحالة، تظهر نتائج متضاربة ولا تدلي التقارير بنتائج تخلص إلى غلبة عدد مفضلي التلفزيون المجاني على جمهور التلفزيون المشفر، إذ ان 50% من العينة الإماراتية، بحسب التقرير، أشاروا إلى عدم اشتراكهم بالبث المشفر بسبب اكتفائهم بالمحتوى الذي يقدمه التلفزيون المجاني. لكن الـ 50 المتبقية أشارت إلى أن حماستها إلى التلفزيون المشفر لم تهمد بسبب تمتعها بمشاهدة أفلام ومسلسلات وترفيه عائلي وبرامج رياضية خاصة على هذه النوعية من الشاشات.
وتظهر هذه المعدلات المتقاربة من توزيع الحصص بين نوعي المشاهدة، لأول مرة منذ سنوات، المأزق الذي تعاني منه قنوات التشفير، وفي الوقت ذاته قوتها من حيث تمكنها إلى اليوم من تقديم مادة متفردة. ولا تبدو هذه اللحظة الحاسمة التي يعيشها الجانبان حكرا على السوق الإماراتي إذ هي حالة عالمية.
يقول جورج طراد، مستشار الإعلام المشفر في «يوني ميديا»: إنها بالفعل لحظة حاسمة، ومرحلة سوف تتحدد ملامحها في القريب العاجل، لكن السبق سيكون، وكما دوما، للإبداع. أي للطرف الذي يستطيع أن يقدم مضمونا إبداعياً، سواء كان مدفوعا أو مجانيا.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، البلد الذي صدّر تجربة التلفزيون المشفر، أو تلفزيون الكيبل، تبدو الأجواء متشابهة إلى حد بعيد، من حيث اعتمال الصراع بين النوعين من البث.
التخفيض آت!
فعلى الرغم من ارتفع أسعار ورسوم خدمات تلفزيون الكيبل وباقات الفضائيات المدفوعة وسهولة الوصول إلى تلفزيون الإنترنت والأفلام على الشبكة فإن قلة من المستهلكين قاموا بقطع الكيبل التلفزيوني، إلا أن ذلك لن يوم طويلا، وبحسب دراسة شركة «يونكي غروب» المتخصصة في دراسات السوق، فإن واحدا من كل ثمانية مشتركين في شركات التلفزيون عبر الكيبل سوف يقطعون هذه الخدمة أو يعيدون الكيبل أو باقات الفضائيات أو أي شكل من أشكال التلفزيون المدفوع.
ووفقاً لما نشره موقع «سي إن إن موني دوت كوم»، مؤخرا، فقد وجدت الدراسة التي جاءت نتيجة مسح بحثي على مشغلي التلفزيون المدفوع وأكثر من 6 آلاف مشترك أميركي، أن كثيرين سيختارون تخفيض اشتراكهم في قنوات الكيبل وباقات البرامج والخدمات التلفزيونية المدفوعة إلى أقل قدر ممكن بينما قال آخرون إنهم سيتخلون كلياً عن هذه الخدمات.
وطبقا لمحرر الموقع ديفيد جولدمان، فإن التوجه لقطع الكيبل كان موضع تكهنات في وقت ما عندما جعلت الشبكات برامجها التلفزيونية متاحة ومتوفرة مجانا باطراد عبر الإنترنت بشكل كبير.
ولكن خليطا من عوامل أخرى، بما في ذلك المنازلات بين شركات الكيبل والشبكات والارتفاع الكبير في مشاهدة الفيديو عبر الإنترنت وتضخم موصلات التلفزيون وقطعها، يجعل هذا التوجه مطروحا بقوة.
ويقول فينس فيتور، محرر مجموعة «يانكي» ومعد الدراسة «فعليا، إنها ظاهرة قليلة الآن، ولكن تحولا جديداً في التفكير الاستهلاكي يحدث حاليا». وتبدو الحياة بدون كيبل أو باقات الفضائيات أمرا غير وارد في تفكير العديد من الأميركيين، حيث إن أكثر من 90% من الوحدات السكنية الأسرية يشتركون في أشكال مختلفة من التلفزيون المدفوع.
ولكن مثلما حل الهاتف النقال مكان الهاتف الثابت لدى العديد من المشتركين يعتبر فيتور بأن فيديو الانترنت على الطلب سوف يجعل هذه النسبة أقل بكثير».
والسبب الأكبر وراء نوايا قطع الخدمة كما تشير الدراسة هو ارتفاع كلفة خدمات التلفزيون المدفوع، حيث إن مشاهدي الكيبل وباقات الفضائيات يدفعون قرابة 71 دولارا أميركيا في الشهر وهم يخضعون لارتفاع بنسبة 5% على أسعار هذه الخدمات سنوياً كما بين بحث آخر أجرته شركة «سنتريس».
وارتفاع السعر السنوي يمكن أن يكون أكبر إذا استمرت المعارك بين مشغلي التلفزيون المدفوع والشبكات التلفزيونية المعنية. إن شبكات البث التلفزيوني مثل آي بي سي، وسي بي اس وفوكس وان بي سي لم تعد تضع كلفة على عاتق مزودي الكيبل والفضائيات التلفزيونية عندما تقوم هذه الأخيرة بإعادة بث برامج الشبكات هذه، طالما أنها تقدم برامجها على الهواء مجاناً.
ولكن مؤخرا، فإن هذه الشبكات طلبت، وتلقت، رسوماً على برامجها مثيلة أو شبيهة بما كان تتحمله شبكات الكيبل مثل «تي بي إس»، و«إم تي في» و«كوميدي سنترال» وهذه الرسوم سيتحملها المستهلك في النهاية.
«كيبل» مقطوع؟
في عام 1998، جذبت القنوات الكيبلية قرابة 1,9 مليارات دولار أو 24 في المئة من مجمل النفقات على الإعلانات التلفزيونية، حسب ما أفاد مكتب الإعلانات التلفزيونية. وبحلول 2008، كانوا يحصلون على 6,21 مليار دولار أو 39 في المئة.
وقد تمكنت القنوات الكيبلية من الحفاظ على نفسها خلال فترة الركود الاقتصادي، حيث إن لها مصدري عائدات وهي الإعلانات والرسوم التي تفرضها على مقدمي التلفزيون المدفوع.
وعلى النقيض، كانت المحطات التي تبث عبر الأثير مضطرة إلى تقليص طواقم العمل لديها، ورفعت مؤسستان إذاعيتان على الأقل طلبات لحمايتهما من إشهار الإفلاس في عام 2009.
وتوضح «فوكس» هذا الاتجاه: سجلت عملياتها الإذاعية تراجعا نسبته 54 في المئة في إدارة الدخل خلال الربع المنتهي في سبتمبر العام الماضي. وارتفعت عائدات التشغيل لقنواتها الكيبلية التي تضم «فوكس نيوز» و«إف إكس» بنسبة 41 في المئة.
ويقول، توم لاف المحلل من «سنيث أوتيميديا»، إن عوائد الإعلانات في الشبكات الكبرى تراجعت بنسبة 9 في المئة خلال 2009، وسوف يتبع ذلك تراجع نسبته 8 في المئة خلال 2010 ونمو صفري في 2011.
نمو في الشرق الأوسط
يعتبر المسؤولون في راديو وتلفزيون العرب «art» أن قطاع التلفزيون المدفوع في منطقة الشرق الأوسط لا يزال في مرحلة النمو الحقيقي، متوقعا أن ينمو القطاع بمعدلات جيدة تتراوح سنويا ما بين 20 إلى 40%، موضحا أن هذا التفاوت يرتبط بعوامل لها علاقة باختلاف حجم السوق في كل دولة، وتفاوت دخل الفرد بين دولة عربية وأخرى.
وتشير تصريحات المسؤولين في المجموعة إلى أن العوامل التي تشير إلى استمرار نمو قطاع التلفزيون المدفوع هي مشتركة بين جميع الدول العربية، موضحاً أن من العوامل الجوهرية المحفّزة النمو الاجتماعي والاقتصادي، واكتمال الوعي والمهارات الإدراكية لدى الفئات السكانية الشابة، وازدياد قدرة التمييز لدى مشاهدي المواد والبرامج التلفزيونية.
وتوضح أن «الأزمة المالية التي يمر بها العالم حالياً ستكون حافزا لزيادة عدد المشتركين في قنوات (art) على عكس ما يتوقعه البعض، لأن الناس سوف يبحثون عن وسيلة ترفيه متكاملة وغير مكلفة».
دبي ـ رولا علي

