وجدت بلدية باريس، التي تعتبر نفسها حارسة العشاق، نفسها ممزقة بين الاهتمام بالمظهر العام المتألق للمدينة، من جهة، وبين الحب الأزلي الذي يسري في كيان عشاق عاصمة النور، من جهة أخرى.
فجسر المشاة الجميل المعروف باسم «جسر الفن» أو«بوان ديزارت»، الواقع بين متحف اللوفر والضفة اليسرى لنهر السين، مغطى بأكثر من 1000 قفل من أقفال الحب الصغيرة، التي نقش عليها العشاق الحروف الأولى من أسمائهم كرمز للإخلاص الأبدي. وتقول البلدية إن تلك الأقفال تشوه منظر العاصمة، ويتعين إزالتها، لكنها لم تقم بذلك بعد.
وقد انتشرت ظاهرة تعليق أقفال الحب، التي يوجد خلاف بشأن مصدرها الأصلي، في مختلف أرجاء العالم، بدءا من المجر، وانتهاء بايطاليا، ومن روسيا إلى الصين وأميركا الجنوبية. وتحول جسران للمشاة ممتدان فوق نهر السين، بما فيهما جسر «بوان ديزارت» الأنيق، ذو الأقواس السبعة، إلى هدفين رائجين، بشكل خاص، لوعود العشاق المعدنية.
ولو نظرنا إلى جسر المشاة الباريسي من مسافة بعيدة، فسيبدو لنا هذا الجسر المخرم من الجوانب، وكأنه قد تعرض لهجوم من أسراب من الجراد المعدني. فقد علقت عليه مئات الأقفال المعدنية، الرخيصة والثمينة على حد سواء، بعد نقشها بأسماء العشاق أو الحروف الأولى منها، وألقيت مفاتيحها في مياه السين بصورة رومانسية.
تقول البلدية إنها تعتزم إزالة تلك الأٌقفال، والتخلص منها، في نهاية المطاف، فهي تثير مشكلات، فيما يتعلق بالتراث المعماري الفرنسي.
غير أنها تقر بأن أقفال الحب هي ظاهرة عشوائية جميلة، ومحببة. وقد وعد مسؤولو المجلس البلدي بعدم إزالة تلك الأقفال، قبل ابتكار وسيلة أخرى، بديلة، لتعليق أقفال الحب عليها، كالأشجار المعدنية، على سبيل المثال، التي نصبت العام الماضي على جانبي جسر لوزكوف في موسكو.
وهناك تضارب بالنسبة لأصل ظاهرة أقفال الحب، ويعتقد البعض بأنها تعود لإحدى ممارسات الطقوس القديمة، التي أعيد إحياؤها أخيرا، وهي تمثل زوجا من القلوب المقيدة بالسلاسل، التي لا يمكن أن تفترق مطلقا. ولا يمكن ظهور عذول للحب لأنه يتم التخلص من مفتاح القفل، وإلقاؤه بعيدا.
وبحسب إحدى الروايات فإن أقفال الحب ظهرت للمرة الأولى في المجر قبل 5 أو 6 سنوات، قبل أن تنتشر بسرعة، انتشار الهشيم في النار، في أقطار العالم كافة.
ويقول آخرون أنه تم الترويج لها من قبل الروائي الايطالي فدريكو موكيا، من خلال كتابه الذي نشره عام 2006 تحت عنوان «أريدك». فهو يشير في روايته تلك، إلى أن بطلي الرواية العاشقين نقشا اسميهما على قفل، ثم علقاه بجسر في روما، وألقيا مفتاح القفل في نهر التيبر.
ويفترض تحقيق مسهب نشرته صحيفة «إندبندنت» البريطانية، حول الجسر الباريسي، أخيرا، أن فدريكو استعار الفكرة، ولم يبتكرها. ويعود أقدم قفل تم العثور عليه معلقا بالشبكة المعدنية لجسر السين إلى عام 2005، وهذا قبل سنة من تاريخ صدور الكتاب.
ومعظم الأقفال المعلقة صغيرة الحجم، وبسيطة التركيب، نقشت عليها الأسماء والتواقيع، أو طليت بها. وبعضها زهيد التكلفة، بالطبع، وهناك أخرى ضخمة الحجم، لا يمكن نقلها من مكانها، حتى لو جرى تفجيرها بالديناميت. وهناك أقفال دراجات هوائية مدلاة بصورة يائسة، وربما ساخرة، من جانبي الجسر.
ومن الواضح أن بعض الأسماء الموحدة هي باللغة الفرنسية مثل «لورين ب وجويل م»، «آرثر وميلاني». وهناك العديد من الأسماء الأخرى، غير الفرنسية، التي يبدو أن بعض السياح قد نقشوها على الأقفال، مثل «مارتا وجاريك».
عمر حرزالله
