أطل وجه امرؤ القيس مساء أول من أمس، عبر نافذة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، والتي استضافت الشاعر الدكتور بهجت الحديثي، مدير بيت الشعر في الشارقة، في قراءة جديدة في معلقة الشاعر الجاهلي الشهيرة.

وشارك فيها حشد من الشعراء والمثقفين ومتذوقي الشعر، وقدم لها الشاعر الإماراتي علي الشعالي، الذي أشاد بتجربة الحديثي الشعرية، منوها إلى سيرته الذاتية المفعمة بالخصال الحميدة على الصعيد الشخصي، والنتاج الأدبي والعلمي على الصعيد العملي.

كما أشاد الحديثي بدور ندوة الثقافة والعلوم في رفع راية الثقافة، وفي حمل هم الشعر العربي، الذي وصفه بالنهر الذي سيظل متدفقا حاملا معه كل القيم والمبادئ والمثل العربية الأصيلة، والذي سيبقى يعبر عن الهوية الإنسانية للأمة العربية، وذلك قبل أن يلج إلى القصيدة محل النقاش، وهي معلقة امرؤ القيس، التي أكد أن اختيارها ليس اعتباطيا، بل جاء نتيجة دراسة دقيقة متأنية.

ذلك أنها قصيدة تأسيسية قام عليها الشعر العربي الأول الذي أسس دعائمه امرؤ القيس نفسه، والذي عندما ظهر قيل أنه قصد القصيد، أي أنه أطاله وجعل منه رواية قادرة على صنعة السرد، سرد الذات الإنسانية أو أن تقوم عليه، ما جعله يستحق لقب «أمام الشعراء وقائدهم»، على حد تعبير الحديثي.

وفي معرض وصفه لامرئ القيس، قال الأكاديمي الإماراتي إنه ملك ابن ملك وأجداده ملوك، لكنه وكأي ابن ملك، فإنه يمر بمراحل مختلفة في حياته، بما في ذلك مرحلة المراهقة والشباب، التي تخللها في حالة الشاعر جرعة زائدة من حياة الهوى والغزل ونظم الشعر، حتى قيل إن أباه ضاق به ذرعا وطرده لمجونه، لكن عندما جاءه نبأ مقتل أبيه تحول من ماجن إلى ثائر يطلب الثأر من بني أسد.

وأكد الحديثي أن معلقة امرئ القيس لم تعبر عن تلك الأحداث التي عاشها الشاعر، سواء قبل مقتل أبيه أم بعده، فحسب، بل عكست كذلك مجمل حياته على أحسن وجه، وهي حياة مليئة بالأحداث لكن للثأر فيها حصة الأسد، وحين أخفق بتحقيق غايته، لجأ إلى الشعر عله يجد فيه ضالته فنظم معلقته الشهيرة، التي قيل فيها إنها أجمل معلقة في الشعر الجاهلي على الإطلاق.

وقد أثارت المعلقة قديما وحديثا، ولا تزال، اهتمام النقاد ودارسي الشعر الجاهلي، فراحوا يدلون بدلائهم فيها، شكلا ومضمونا، بناء وموضوعا، وأوضح الحديثي في هذا السياق، أنه عاش مع «المعلقة وقرأها قراءة أولى وثانية وثالثة»، وانه درسها لطلبته في الجامعة، فتشكلت لديه رؤية قابلة لنقاش، بينما خلص إلى أن النقاد جميعا أجمعوا على أن رواية المعلقة صحيحة، عدا بعض الزيادات هنا وهناك، معتبرا ذلك أمرا طبيعيا، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالرواية الشفهية.

كما أجمعوا على جودة القصيدة من حيث مبناها، الذي اختلف النقاد الحديثون حوله، حيث رآها البعض منهم مفككة ومواضيعها مبعثرة، وليس فيها ترابط، لا من ناحية الشكل ولا من ناحية الموضوع أو المواضيع المتنوعة التي تتناولها، ما حدا بأديب كبير، مثل طه حسين، إلى وصف القصيدة بأنها «قصيدة منقولة».

وكل ذلك أوقع النقاد الحديثين في دائرة الوهم، على حد تعبير مدير بيت الشعر في الشارقة، الذي رأى أن معلقة امرئ القيس تشكل نموذجا، واصفا إياها بأنها محكمة البناء، وتعكس سرد الحدث، وذات الشاعر، وأن ناظمها هو الذي خط هذا المنهج البديع في الوقوف على الأطلال ومغازلة الحبيب والتغني بالوطن وبالملك والفرس والثأر معا.

وبالتالي فإنها تعتبر قصيدة تأسيسية ببعدها النفسي، الذي يعد الأساس في بناء القصيدة عموما. وفي حين يتساءل البعض عن علاقة الغزل بالثأر في معلقة امرئ القيس، أوضح الحديثي أن الارتباط بينهما جلي، حيث يتغذى الواحد منهما على الآخر.

وعقب هذه المداخلة الرئيسية التي قدمها الدكتور الحديثي، دار نقاش أجمع المشاركون فيه على أن امرؤ القيس، يبقى معلم الشعراء جميعا، وأن معلقته يجب أن تقرأ وتدرس بكليتها، بما في ذلك المستوى النقدي والنحوي والصرفي والجمالي، حتى تتجلى في نهاية المطاف لوحة بديعة، مع الأخذ في الاعتبار أنه كان فارسا وطالب ثأر في المقام الأول، قبل أن يكون شاعر الغزل والمجون.

وشهد ختام الندوة محطة جميلة مع الشعر، قبل أن يعبر سلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة الندوة، عن شكره الشاعر الحديثي، والشعراء الآخرين والحضور، فأنشد الحديثي نفسه، قصيدة» فارس يتغزل»، كما أنشدت الشاعر همسة، قصيدة «طبشور»، بينما أنشد الشاعر نصر بدران، بعضا من أشعاره.

دبي ـ باسل أو حمدة