يقال بأن الحب لغة القلب وأن الرسم لغة الألوان والإبداع، وعادة عندما يجتمع الحب والرسم معا يخرجان لوحة رائعة مليئة بألوان وخطوط الفرح، وبالتأكيد أن الألوان وحدها لا تكفي للتعبير عما يدور في القلب والوجدان، لأن الموهبة تحتاج إلى قلب وفكر واسعين حتى وإن غاب اللسان عن العمل.

والرسم ليس حكراً على أحد، ولا يمكن تنصيب فنان معين أباً للفن لأن الرسم في النهاية تعبير عن مكنونات القلب والشخصية، وهو قادر على تغيير كل شيء ليس في العين فقط وإنما في تفاصيل الشخصية ذاتها، وقد يقلب الإحساس كليا ليخرج من دائرة الحزن إلى الفرح ويقرب الشخص من الآخر ليبدو التعامل أكثر إنسانية وجمالا، وما قلته ينطبق على أناس كثيرين يعيشون بيننا نعرف بعضهم ونجهل كثيرين.

كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها فنانة لا تجيد الحديث باللسان بسبب إعاقة سمعية ولدت معها أدت إلى إصابتها بالبكم، ما حرمها من الحديث المباشر مع الآخرين إلا من رحم ربي من أولئك الذين يفهمون لغات الإشارة وتمتمات الشفاه.

ولا أستطيع أن أصور كيف كان شعوري عندما دخلت ذلك المرسم الذي تعمل فيه، وإن كان عبارة عن غرفة صغيرة لا يزيد طولها عن أربعة أمتار ومثلها بالعرض، في ذلك المرسم لم تكن الجدران التي طليت باللون الأبيض خالية.

وإنما علق عليها لوحات كثيرة رسمت بأصابع ندية أصحابها من ذوي الإعاقات المختلفة والتي استطاعت أن تحول المرسم إلى أشبه بمعرض للوحات الفنية، في المقابل امتلأ وسط الغرفة بطاولات صغيرة وضعت عليها علب الألوان بأحجام وألوان مختلفة، وتحلق حولها أطفال لم تزد سنوات عمرهم عن العاشرة، وقد بدوا جميعا فرحين بما تلونه أيديهم.

نجمات ذهبية

في إحدى زوايا المرسم جلست كوكب محسن محمد (23 عاما) وقد توشحت بشيلتها السوداء المطرزة بنجمات ذهبية، وقد انشغلت عن الموجودين بلوحتها، كانت تحمل بين أصابعها أقلام الألوان، وتلون ما بين الخطوط الرصاصية اللون.

ورغم عدم انتهائها إلا أن الخطوط الأولى في اللوحة كانت تشير إلى جلسة عربية مستمدة من التراث العربي، في تلك الزاوية جلست كوكب وتحيطها لوحات من إنتاجها أبرزها لوحة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وكذلك سمو الأميرة هيا بنت الحسين قرينة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

اقتربت منها للتعرف على ما ترسمه، فكانت ابتسامتها أول رسائل التواصل المشرق مع الآخرين، تتقبل كل من يحاول الحديث معها، وتحاول جاهدة فهم ما يقوله حتى لو اضطررت إلى الاستعانة بأشخاص آخرين يعرفون التعامل مع لغة الإشارة، ولم يكن أمامنا أي طريقة للتعرف على كوكب إلا عبر الاستعانة بالسيدة أمال بدوي، المسؤولة المباشرة عنها في المركز، والتي كانت تترجم لنا ما تود كوكب قوله.

ولدت كوكب وهي مصابة بإعاقة سمعية، وقد انضمت في بداية عمرها إلى مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، حيث تلقت هناك تعليماً أكاديمياً وصلت فيه إلى مرحلة الصف الخامس الابتدائي، وقبل انضمامها لمركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة اضطرت كوكب إلى التزام بيتها لمدة عامين، لتنتقل منه إلى المركز الذي دخلته طالبة وتخرجت منه لتعود إليه مرة أخرى موظفة.

قبل دخولها المركز أخضعت كوكب إلى مقابلة لتحديد مستواها وعلى ضوئها تم القبول ليكتشف الجميع بأن لديها موهبة جميلة تحتاج إلى رعاية ومتابعة حثيثة للاستفادة منها.

طاقات ثمينة

مع دخول كوكب إلى المركز حاول جميع العاملين فيه تشجيعها وتحفيزيها للمواصلة في إبداعها وإخراج كل طاقاتها، حيث بدأوا بإعطائها صوراً مختلفة لرسمها إلى جانب تصميم بطاقات صغيرة ترفق مع هدايا المركز ودعواته الرسمية، وبعد ذلك قاموا بتحفيزها لتطوير الموهبة لتبدأ برسم الصور الشخصية أو «البورترية» وقد تمكنت من ذلك.

حيث قامت برسم معظم شيوخ الإمارات وعدد من ضيوف المركز، ومازالت كوكب تحتفظ حتى اللحظة بلوحة كبيرة للمغفور له الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله، وسمو الأميرة هيا بنت الحسين وتعرضها على كل من يزور المركز.

ومن يمتهن الجمال يستطيع أن يبدع في كل شيء، وقد امتهنت كوكب حرفة الجمال ليس في الرسم فقط وإنما في رسم الحناء أيضا، حيث تقوم برسم خطوط الحناء البنية اللون والسوداء بكل أشكالها على أيادي فتيات ومدرسات المركز في كافة مناسبات واحتفالات المركز.

والى جانب الحناء تعلمت كوكب أثناء وجودها في المركز عددا من الأشغال اليدوية مثل فنون الخياطة اليدوية (غرزة كروس) والتطريز وقد حولت العديد من منتجاتها إلى لوحات بيعت لصالح دعم المركز، كما تعلمت أيضا العمل على ماكنة الخياطة وطرق مختلفة لتصميم الهدايا التذكارية التي يحتفظ بها كافة الشخصيات التي سبق لها زيارة المركز.

عودة حميدة

بعد مضي أربع سنوات على انضمامها إلى المركز لم تغادر كوكب أروقته بغير رجعة، وإنما عادت إلى المركز كموظفة تعمل فيه كبقية الموظفين الذين تقبلوها عضواً فاعلاً بينهم، وبالتالي فالصف الذي دخلته في يوم ما طالبة عادت إليه موظفة، وهو ما زاد من إقبالها على موهبة الرسم، حيث تعمل حالياً كمساعدة لمدرسة الفن وتحاول جاهدة مساعدة الأطفال الآخرين على إخراج ما يمتلكونه من مواهب فنية.

لقد ساهم انضمام كوكب إلى مركز راشد كثيرا بتغيير شخصيتها وتعاملها مع الآخرين، فقبله كانت كوكب عصبية ومتقلبة المزاج ودائمة الخلاف مع إخوانها وأخواتها، ولكن ذلك تغير كليا بعد دخولها حيث وجدت في المركز متنفسا لها ولما تمتلكه من مواهب عدا عن أنه ملأ وقت فراغها بأشياء مفيدة لها ولأسرتها، ولضمان وجودها في المركز قامت إدارته بتخصيص راتب شهري لها كنوع من التشجيع لها. وكما استقبلتنا كوكب بابتسامة عريضة ودعتنا بمثلها، حيث كانت شفتيها تتمتمان بكلمات تبين لنا بأنها شكر وعرفان لكل من قدم لها المساعدة.

نشاطات مختلفة

اعتادت كوكب بعد انتهاء دوامها في مركز راشد التوجه إلى مركز دبي للرياضات الخاصة، حيث تتدرب فيه على بعض الرياضات مثل البولينغ وتنس الطاولة، وقد حصلت على المراكز الأولى في بعض البطولات التي شاركت فيها، إلى جانب إنها تستثمر وقتها فيه ببعض أعمال الرسم والخياطة، وبالطبع فقد ساعدها ذلك تقوية شخصيتها وتعبئة وقتها.

إلى جانب ذلك شاركت كوكب مؤخرا في أحد عروض الأزياء وحصلت على المركز الثالث على مستوى دبي في تصميم الأزياء، علما بأن كوكب هي التي تقوم بتصميم عباءاتها وشيلها، حيث تقوم برسمها على الورق قبل إطلاع الخياط عليها. ومنذ أن بدأت كوكب في الرسم استطاعت أن تبيع العديد من اللوحات، وفي بعض الأحيان تقام بعض المزادات العلنية على إحدى لوحاتها.

أما عن تواصلها الاجتماعي فهي ناجحة باقتدار حيث تتقن القراءة والكتابة وتتواصل مع كافة صديقاتها عبر الهاتف المتحرك باستخدام خدمتي الفيديو المرئي والرسائل النصية القصيرة، كما أن وجودها في المركز ساعدها كثيرا في تحسين أدائها بالرسم، حيث كانت معلمة الفن تساعدها في وضع الخطوط الأولية لأية لوحة تود رسمها بالإضافة إلى تعليمها طرق وضع الألوان وخلطها للوصول إلى اللون المطلوب.

بطاقة شخصية

الاسم: كوكب محسن محمد

الجنسية: يمنية

العمر: 23 عاما

الهواية: الرسم والتطريز والخياطة والتصميم

المشاركات: شاركت في العديد من المعارض التي أقامها مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، وآخر مشاركاتها كانت في المعرض الخيري الثاني للمعاقين الذي أقامته مؤسسة دبي للإعلام في دبي مول.

غسان خروب