أثبت خبراء الاقتصاد والباحثون من خلال الدراسات التي أجريت على جنسيات متنوعة، وبغض النظر عن الأيديولوجيات السياسية للحكومات العلاقة بين توظيف خريجي التعليم العالي والتنمية الوطنية. وهذه العلاقة ليست مهمة فقط لأن سوق العمل يُعتبر العامل المحرك للتطور الاجتماعي والاقتصادي، ولكن لأنه يساعد المواطنين على لعب دور اجتماعي كأعضاء منتجين في المجتمع. ومع تزايد أعداد الخريجين كل عام في المدارس الثانوية في العقد الجديد واهتمام الغالبية بالالتحاق بالتعليم العالي، تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة بجد على توفير فرص عمل هادفة لمواطنيها. وبهذه الروح تم وضع العديد من برامج التنمية الوطنية على المستوى الاتحادي وعلى مستوى الإمارة. وتعمل هيئات التنمية الوطنية كحلقة وصل بين أصحاب العمل من القطاعين العام والخاص والباحثين عن فرص العمل من الشباب الإماراتي الحاصل على مستويات مختلفة من التعليم. كما تقوم هذه الهيئات بتنفيذ برامج تهدف إلى تعزيز إمكانية قبول الشباب الإماراتي في سوق العمل بتدريبهم على أحدث الوسائل التكنولوجية والمهارات الشخصية. بالرغم من ذلك، لا تتناول برامج التنمية الوطنية التحديات السلبية غير الواضحة والمرتبطة بتأمين الوظائف.

بناء الأنماط هو عملية تقسيم الناس في البداية إلى مجموعات على أساس عوامل مثل العرق أو النوع الاجتماعي ثم بناء معتقدات عن سمات وسلوكيات أفراد المجموعة. ويميل البشر إلى وضع أنماط سلبية وإيجابية والتي تخرج منها نتائج مماثلة. ومعنى ذلك أن الأنماط السلبية لها آثار ضارة على المجموعات والأنماط الإيجابية تعود بالنفع عليها. ويعتبر بناء الأنماط حول النوع الاجتماعي هو الأكثر شيوعاً لأن الاختلافات بين الجنسين يمكن ملاحظتها بسهولة. وتظهر هذه الأنماط المرأة باعتبارها كائناً عطوفاً وخجولاً وداعماً، في حين تظهر الأنماط الرجل على أنه مستقل، وشجاع، وميال لتحقيق الإنجازات. وغالباً ما تعتبر أنماط النوع الاجتماعي القوة الرئيسية وراء تقسيم الوظائف على أساس النوع الاجتماعي إلى وظائف ذكورية ووظائف أنثوية، وانخفاض الدخل الذي تحصل عليه المرأة، وندرة توليها لمناصب السلطة. كما تؤثر تلك الأنماط أيضاً بشكل سلبي في اختيارات المرأة للعمل وتحد من فرص العمل أمامها.

ويرى الباحثون في موضوع بناء الأنماط أنها تؤثر في الأفراد على مدى حياتهم، ويمكن أن يكون لها تأثير عميق في مستوى إنجاز الفرد والمجموعة. ولم يسلط أي من هؤلاء الباحثين الضوء على هذا التأثير العميق، سوى باحثين من جامعة ستانفورد الذين أطلقوا مصطلح «مخاطر الأنماط» لإبراز تأثير الأنماط في تحصيل الطلاب وإنجازاتهم من حيث النوع الاجتماعي والانتماء العرقي. وقد أظهرت بحوثهم أنه عندما يتعرض الطلاب لنمط فكري سلبي بشأن المجموعة أو المجموعات التي ينتمون إليها فإنهم يتصرفون وفقاً لهذا النمط السلبي. وعلى سبيل المثال، تم عمل اختبار في الرياضيات على المستوى الجامعي لمجموعة من الطلاب الأميركيين من أصول أوروبية ومجموعة ثانية من الطلاب الأميركيين من أصول إفريقية تتمتع بنفس القدرات. وأظهر الطلاب الأميركيون من ذوي الأصول الإفريقية الذين شاهدوا معلومات تبطل عنهم الأنماط السلبية (تصورات إيجابية عن المجموعة) أداءً أفضل من نظرائهم من أصول أوروبية. بينما كان أداء الطلاب الذين شاهدوا معلومات تؤكد اتصافهم بالأنماط السلبية (تصورات سلبية عن المجموعة) أقل من أداء زملائهم بشكل ملحوظ. وقد تم اختبار النظرية لاحقاً مئات المرات في مواقف مختلفة وجاءت معظم النتائج لتؤكد النظرية.

ولهذا يجب علينا أن نطرح السؤال: ما هي العلاقة بين الأنماط والتوطين؟ تستطيع الأنماط السلبية التأثير بشكل سلبي في اختيارات الشباب الإماراتي فيما يتعلق بالعمل وفرص العمل. وتتضمن هذه الأنماط عدم وجود حاجة لعمل جاد، وضعف أخلاقيات العمل، وغياب الحماس بشكل عام، وضعف التحصيل العلمي، إلخ. ويشجع وجود أو تأكيد هذه الأنماط في بيئتا التعليم والعمل انخفاض التوقعات، ويؤدي إلى ضعف الحافز وانخفاض مستويات الإنجاز، كما تبعث بالتشاؤم في عقول الشباب الإماراتي وتعيق التنمية الوطنية.

هل يمكن تغيير الأنماط، وتقليص التأثير السلبي لها إلى حد أدنى؟ يمثل تحديد كل من الأنماط السلبية والإيجابية المرتبطة بشعب الإمارات خطوة أولى مهمة. وبمجرد التعرف الى تلك الأنماط، يجب أن تتولى المدارس ومؤسسات التعليم العالي ومؤسسات التنمية الوطنية مسؤولية العمل على إنتاج معلومات تبطل تلك الأنماط، ويتم توجيهها للطلاب والمدرسين وأصحاب العمل وعامة الناس. ويجب ألا يكون الهدف الأساسي لهذه الحملات هو محو تلك الأنماط، والذي يعتبر أمراً مستحيلاً، ولكن يجب أن يكون الهدف خلق أنماط إيجابية جديدة. وكذلك من المهم أن تساعد برامج التنمية الوطنية الشباب الباحثين عن فرص عمل على فهم كل من الأنماط الإيجابية والسلبية حتى يستطيعوا تعزيز الإيجابي منها والتخفيف من استجابتهم للأنماط السلبية.

فاطمة عبدالله

زميلة باحثة غير مقيمة في كلية دبي للإدارة الحكومية