حين قررتُ الذهاب إلى خيمة الشاعر، كُنتُ قد حَدَّدتُ سَلَفاً أن الدخول في تجربة الجمع هي من أحلى التجارب، بالنسبة لي على الأقل، التي تجدد في النفس حيويتها، وتزيح الكثير من بقايا الهموم والإحباطات الحياتية المتراكمة المعتادة مما قد يَعْلَق عادة في الذهن لتخزنه الذاكرة.

الجلوس عندي إلى شاعر، ومحاولة شحذ ذاكرته لِتَدُرَّ كما يَدُر ضرع ناقته بحليب الشعر، هو عمل شَغَفي بالدرجة الأولى. أحمَدُ الله أنّي استطعتُ الجلوس إلى شاعرنا ما خَفَّفَ عَلَيَّ كثيراً من المعضلات التي تحدثتُ عنها آنفاً، أنَّ فترة معرفتي بالوالد الشاعر مهير بن سعيد الكتبي تعود إلى ما يقارب العشرين عاماً مضت. حيث كنت التقيته عدة مرات في مجلسه العامر في قريته الهير التي تبعد 45 كم عن مدينة العين باتجاه مدينة دبي، أثناء فترة عملي هناك لسنوات وزياراتي المتكررة له مع أحد أقربائه وهو الصديق سيف حبروت الكتبي..

كان قد حدثني في أحد تلك اللقاءات عن «غافات زاخر»، المكان الذي شهد أغلى وأسعد ذكرى قد تمر على إنسان وعليه هو شخصياً، حسب قوله، والموقع قريب من طوي اليفار «بئر» المكان الذي شهدت الرمال المحيطة به مولد شاعرنا، حدثني عن ذلك الحدث السعيد الذي استرجع تفاصيله بدقة، ممزوجة بفرح التذكر والاِستعادة، المكان الذي شهد مراسم عرس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخة فاطمة بنت مبارك ورَواه كأحد شهود العيان، وقد نُشر ذلك اللقاء في الصحافة المحلية حينها.

يشوح بيديه، ويعلو الصوت مبتهجاً مع «الرزفة» أو «العيالة»، خاصة إذا كان المشهد رائعاً، ويعبر عن فرحة جماعية، ويستحق أن يستعاد.

ذكريات عزيزة

استرجاع هذه الذكريات العزيزة، حُلُمي، هي التاريخ معاشاً ومستعاداً. إنه شيء من شغف الإنسان بالمكان. شيء يدخل ربما ضمن طقوس الشعر، حين يقف الشاعر على الأطلال، يستحضر أشخاصه وأحداثه.

وكأنها لقطات سينمائية بطريقة (الفلاش باك). يقول الشاعر مهير الكتبي، أحب هذا المكان، وتكاد زيارتي له لا تنقطع. ويمضي في قوله هنا، كانت تمتد وعلى مساحة كبيرة من هذه الأرض مضارب قبيلة بني كتب.

بيوت الشعر والعِرش كانت تملأ هذه البقعة. هنا عشتُ طفولتي وشبابي. وقبيلة بني كتب هذه ديارها منذ القدم، حيث تمتد من الأفلاج جنوباً، والى المنطقة التي تعرف اليوم ـ بالهير ـ وهي ليست الهير القديمة حيث أقيمت الهير الجديدة في مكان كان يعرف قديماً ـ بخب الثورـ وامتداداً إلى الشمال حيث المدام والذيد ووصولاً إلى رأس الخيمة شمالاً.

نجلس حيث قادنا بعد أن صورنا (البقعة) الشغوف بزياتها، إلى العريش المرشوش بالماء جلباً لبرودة الهواء. الوقت عصراً، تهب نسيمات هواء مبردة. مكيفات هواء طبيعية اقتضتها الحاجة قديماً، والحاجة أم الاختراع.

في مدينة العين، في ضواحيها، إلى الجنوب منها، منطقة جميلة تسمى (زاخر). هذه الضاحية الحديثة الأنيقة الواقعة على طريق العين ـ الوقن. لهذا الاسم الذي تحمله قصة، خبرها كان عند الشاعر مهير الكتبي. الصدفة وحدها قادتنا إلى معرفة قصة الاسم، والتعرف على (البقعة الأصلية) كما سماها الشاعر.

بدايةً، كنت أود التعرف عليه لما لديه من تاريخ شفاهي ينبغي تدوينه، ولم أعلم بالمفاجأة حتى قابلته بعد ثلاثة أيام من اتصالي به عن طريق أحد أبناء أخوته.

هنا، مَرَّت بي أغلى وأسعد ذكرى قد تمر بإنسان، كنت أحد الشهود المحظوظين بلا شك يقول ، يقف عند ثنائية المكان والزمان، كأنه يريد عقد تكافؤ قسري فيما بينهما.

كان الزمان قد مر من هنا، كانت السنون قد مضت وانقضت، تحولت الصحراء المجاورة لهذا المكان إلى حدائق خضراء، ومشاتل ورود، استبدلت بيوت الشعر ببيوت أسمنتية.

وعُرفت حينها (الشعبيات) المساكن التي وزعتها الدولة على المواطنين، شوارع مسفلتة، وأرصفة ملونة، دكاكين، وصالونات حلاقة، جمعية تعاونية، ومساجد مكيفة، ومزارع، عيادة صحية، وبنوك ودوائر خدمات أخرى. كل هذا في قرية الهير التي يقيم فيها اليوم.

عرس زايد

قبل أن نجلس تحت العريش، قال:

أريد أن أريكَ شيئاً، لم أره لأحد من قبل. لم أذكره لأحد من قبل ممن يكتبون في الصحف.

قادني، إلى منطقة رملية، قريبة من بئر ماء يعرف باسم (اليفار)، وقال:

سألني: هل ترى هذه البقعة، هل ترى هاتين الغافتين (شجر الغاف)

قلت: نعم أراهما...و(اليفار) بئر ماء معروف.. طوي

قال: هاتان هما غافات زاخرهذه البقعة هي زاخرأتكلم عن البقعة

قلت: لكني أعرف أن منطقة زاخر تقع جنوب العين.

قال: تلك سميت على اسم هذه البقعة.

قلت: وما قصتها؟ (بعد أن لاحظت اهتمامه بالمكان وتشجيعه لنا على تصوير أشجار الغاف بالذات).

هذا الرمل المعجون بأصوات البشر، تهتز أشجار الغاف، وتتسامق، الشجر نفس الشجر، والمكان هو المكان، بحنكة البدوي الكهل يقول

في سنة 1957، في بداياتها، أو في أواخر عام 1956، شهدت هذه المنطقة، حدثاً سعيداً بكل المقاييس، لا ينساه كل من تشرف بحضوره. في هذه الأرض، عند هاتين الغافتين شهدت عرس زايد رحمه الله.

ولما سألتُه كيف كانت هذه المنطقة في ذلك الوقت، هل كانت مسكونة؟

أجاب: ( بالطبع، كان هناك (بدوان) كثيرون يعيشون في هذه المنطقة. بيوت شعر وعِرَش تملأ هذه البقعة. كنا في شهر رمضان. شهر خير وبركة. وكان عرسا مبروكا، أنزل الله علينا أمطارا لم نرها من قبل. والمطر دائماً بشرى خير في هذه الصحراء، المطر كان يصب علينا (صبيبا). عرس الشيوخ مبروك، حضره القاصي والداني من كل جهة وبقعة، البعيد والقريب.

عند هذه الغافة (يؤشر عليها) كان يجلس محمد بن سالمين بن رحمة شيخ البوشامس جاء مهنئاً من السنينة على ركاب. وقد استمر العرس على ما أذكر لمدة أسبوع من عبري من منطقة الأفلاج جاء بن رحمة وخلق كثير كانوا فرحين، وأقيمت الرقصات الشعبية المعبرة والزرفة والعيالة، حتى سباقات الهجن في هذه المنطقة أقيمت بتلك المناسبة.

أنظر للمكان الآن رَمل، كثبان رمل، سابقاً كانت الأرض مستوية نوعاً ما بحيث كان بإمكاننا إقامة سباقات للهجن ونحن نركب النوق، ونتسابق تركتُهُ، يسرح في جغرافيا المنطقة، ويستعيد الماضي العزيز عليه، يعيش ماضيه الذي لولاه لما وصل إلى حاضره.

يعيش شاعرنا إلى اليوم بين إخوانه وأصدقائه وأبناء قبيلته العربية العريقة المعروفة وحَوالَي نفس البقعة التي شهدت مولده.

وقد تسنى لكاتب هذه السطور أن يلتقي بعدد من رجال هذه القبيلة وغيرهم من أبناء القبائل التي حافظت شأنها شأن بقية القبائل العربية الأخرى التي استوطنت هذه الأنحاء منذ القدم، كالعوامر، وبني كعب، والبومهير وغيرهم، على عادات البداوة المتأصلة فيها، رغم تحّولات الزمن.

وانتشار مظاهر التطور العمراني، وما تتطلبه الحياة الحديثة من خدمات وما نتج عن هذا التحّول وفي زمن قياسي من تَغَيّر عادات، واندثار بعضها، ونشوء عادات أخرى حتمتها ظروف الحياة الجديدة، نقول، رغم ذلك، حافظت هذه القبائل على عاداتها وتقاليدها وأعرافها (سننها)، برغم انتشار مظاهر الحداثة في قرية.

هي في الحقيقة قرية بالاسم فقط، فقد دخلتها كل أنواع الخدمات ومظاهر المدنية والتحضر، بفضل النهظة التي أرسى دعائمها مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وأصبحت بلدة عصرية حديثة.

أما رجال قبيلة بني كتب الذين التقيتهم في منتصف التسعينيات فكانَ من أشهرهم الوالد المرحوم سعيد بن سالم الكتبي المعروف بـ (السعودي).

وهي صيغة تصغير للاسم معروفة في اللغة العربية تستخدم للتحبب، وأخيه المرحوم حمّاد بن سالم الكتبي وأجريت وقتها حواراً معهم ومع مجموعة من كبار السن من قبيلته نشرت في كتابي (ذاكرة الصحراء)، وهو كما لمست شخصية معروفة بين البدو، محبوبة، ولها مكانتها الاجتماعية الكبيرة.

ونشرت ذلك الحوار وقتها في الصحافة المحلية. (1) إن ظاهرة توارث الشعر تتواصل عبر الأحفاد والأبناء لعصر أو عصرين أو ثلاثة عصور أدبية وهي موجودة في الشعر الفصيح، كما هي موجودة في الشعر النبطي.

ولعل في أسرة شاعرنا مثالا واضحا من تلك الأمثلة، حيث الجد شاعر والعم كان شاعراً وابن العم ووصلت الموهبة إليه، ولعل من حسن الحظ أنه يحفظ لهم بعض ما تناقله البدو من أشعارهم، منهم جد الشاعر مصبح بن ساري الكتبي، وعم الشاعر سيف بن مصبح بن ساري الكتبي، وولده سلطان بن سيف بن مصبح بن ساري الكتبي. حيث يقول عنهم: (وهِمْ كِلْهُم من أهَلِيَ وهم شعراء. يَدّي توفي وبعده توفي عمي وولده بعده.).

والمرحوم الشاعر سلطان بن سيف بن ساري الكتبي، والذي بَرَعَ في قصائد التغرودة، وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات رحمه الله يُحِب تغروده، حسب الشاعر، وابنه الوالد الشاعر حبروت بن سلطان الكتبي والذي التقيناه في مجلس الشاعر ودَوَّنا بعض من قصائده، ولم يُجمَع أو يُدَوَّن من أشعاره وأشعار والده شئ من قَبْل، نورد شيئاً منها في صفحات هذا الديوان.

كما نورد العديد من قصائد المشاكاة التي أجادَها شاعرنا وتبادَلَها مع عدد من أصدقائه من الشعراء، ممن سافر معهم وتَغَرَّب مثل الشاعر معيوف بن شوين الكتبي، وممن عاش معهم هنا في منطقة الهير كالمرحوم الشاعر خليفة بن حمد بن كَنَشْ الكتبي والشاعر مبارك بن ضحي الكتبي وأخيه الشاعر الغبشي بن ضحي الكتبي.

والشاعرين الأخوين جابر بن مسعود الاحبابي وظافر بن مسعود الاحبابي، والشاعر سهيل الحرسوسي والشاعر عَيْلان بن علي السّبوسي، والمرحوم الشاعر خليفة بن حماد الكتبي، والمرحوم الشاعر خليفة بن حاسوم الدرمكي.

قبل الحديث حول مسيرته الشعرية سألته في البداية عن إسمه، فذكر أن اسمه هو: مهير بن سعيد بن مصبح بن ساري الكتبي.وعن تاريخ ومكان ولادته يقول: ( مولود هني طال عمرك في اليفار، هذا هني الطوي قريب الهير، هذا نحن نَزْلنا ما نخوز عَنَه.

أما السنة اللي طايح فيها؟ سووّلي تقدير عمر في (كندْ) ( 1 ) كتبوا أني طايح في سنة 1939 م وأما السنة بالضبط اللي طايح فيها فأهلنا ما يعرفونها فهم بدو كما تعرف.

من طحت في هذه المنطقة عشت فيها، لكن أنت تعرف سنّة البداوة، أهلنا كانوا يكدّون على ركاب، يودّون دبي فحم سخّام ويجيبون عيشة لعوائلهم إليْن تم الوقت ورد الوقت وحكم زايد، وكثر الخير والحمد لله.).

وكعادة بدو المنطقة كان شاعرنا يتنقل بين العين، وواحة هيلي، ومنطقة مْحَظَة في البريمي في عُمان، فيذكر: ( كِناّ نقّيّظ فيها، في العين مع الأهَلْ، في هيلي، ولنا بلاد ونخيل في هيلي، ونْحَضِرْ مْحظة عْمان، نقّيّظ فيها، عند بني كعب لين الأصفري، في الأصْفِريْ ( 2 ) نْرِدْ إلى البداوة ونْعاوِدْ هنْي لأهلنا قرب اليفار، وإلا في القيظ وإلا حِضّرْنا في هيلي وإلا مْحّظَة. ).

بداية الشعر

أما بداياته الشعرية فكانت حوالي سنة 1958م كما حَدّد، أي في عمر 19 سنة، رغم أنه أكّدّ لي أن الشعر جاءه بعمر ال15 سنة (الشعر بدايته، سنة 1958م كنت ولد خمس عشرة سنة..)، وهذا يحدث لأنه كما أسلفنا ان تقدير العمر هنا مجرد تقدير افتراضي ليس إلاّ.

أما عن أول قصيدة نَظَمَها ونَطَقَ بها، سألتُه: أتذكُر أول قصيدة نطقت بها..فأجاب

: ( هِيْ والله، نعم أذكر، أول ما قِصَدت قْصَدْت في حْرمة قبيلية، كنا في منطقة الخَضَرْ بِقْعَة قرب الهير إلى الشمال باتجاه دبي، وبَعَدْني تَوْني أتِعلَّم القْصيد، بَسْ إلا من خاطِر بي كِذْي يانْي القصيد، كِنتْ أسمَع دومْ الشّعَرا يَقْصْدون..)..وكما يبدو أن القصيدة كانت غزلية...ومطلعها يقول:

ونّتي ونّات مْعتلّي

ونّة اللّي سارقٍ عوقَه

حد زينه زين مبتلّي

مثل قمر حَيّه عروقه

ما لجْيته كامل الدّلّي

في وِطَنْكُم غير دانوقه

من هواهم قلبِيِ مْعَليّ

مثل طيرٍ ماخذ سبوقه

يْعل يود السّحبْ يْنهلّي

على وحوش خايل بروقه

مجالس الشعر

حين كان يجلس شاعرنا في مجالس أهله وأصدقائه من الشعراء، ماذا كانَ يسمع، وهل حَفِظَ شيئاً من قصيدهم سألته عن هذه النقطة، فقال: ( كان قصيدْهم أكثره تَغرود، تغرود، مايقصدون غزل. شيبتنا غرّد هني مرة على سِبّة ناقته ماتت، غرّد شيبتنا سلطان، ماتت له ناّقَة هني في الهير.. ).. والقصيدة التي يعنيها، أو التغرودة فهي للمرحوم الشاعر سلطان بن سيف بن ساري الكتبي التي يقول مطلعها:

الخِبْيْب يْعلّه ما يْبلّه يْودَها

كان الظّويمر سْبّته مفقودها

وهي من التغاريد التراثية، وقد سمع بها أحد الشعراء من أهَلْنا فرد عليه... وقال:

يا طروش يللي ميرها مقصودها

عويوا بزلّة بوْمِييدّ ردودها

هاي السنة ما ينّكر مفقودها

كم من ذلول خايرت منقودها

ولا ترزم الكارب على مفرودها

ياللّه بذي الليّه أدّن رعودها

يلظ بارجها ويسبق يودها وينيع لها سلطان قبل يرودها

سألته: من هو الشاعر الذي رد على تغرودة عمك سلطان..؟

قال: هو الشاعر خليفة بن حمد بن كنشْ الكتبي وهو من أهلنا ورفاقتنا.. ويوم يغردون الشوّاب هذي التغاريد أنا بَعَدني مرّة ما طِحْت.. غير خبّروني عنها يوم استويت.).

توارث

إن ظاهرة توارث الشعر تتواصل عبر الأحفاد والأبناء لعصر أو عصرين أو ثلاثة عصور أدبية وهي موجودة في الشعر الفصيح، كما هي موجودة في الشعر النبطي.

اعدها للنشر ـ عبد المنعم شديدي