مع الإقبال العالمي على إعادة استخدام النفايات بعد تصنيعها وبعد الخطوات الواسعة التي توصلت إليها التكنولوجيا الحديثة في الدول الأوروبية والأمريكية في هذا المجال، وضعت الإمارات بصمات واثقة على طريق الاستفادة من النفايات وإعادة استخدامها، واتسعت رقعة الإحساس بالمسؤولية الفردية تجاه البيئة، فساهم الأفراد بأفكارهم ومجهوداتهم في استثمار النفايات الضخمة التي يخلفها الناس وتحويلها إلى مواد مفيدة لهم في الاستخدام ونافعة للبيئة في ذات الوقت.

يقول منصور التميمي وهو طالب دراسات عليا في معهد البيئة في عجمان إن تدوير النفايات يستهدف الحصول على منتجات جديدة من منتجات سبق استخدامها إلى الحد الذي أصبحت معه غير ذات نفع للإنسان، وهذه المرحلة هي التي يتدخل فيها عنصر التدوير ليحولها إلى عنصر أو منتج جديد له وظائف أخرى مفيدة للمجتمع، وفي الوقت نفسه لا يؤذي البيئة نتيجة تحلله وتصاعد الغازات السيئة منه.

ويضيف التميمي أن عملية إعادة التدوير لها أشكال وطرق كثيرة تتعدد تبعاً للمواد التي تتوافر في النفايات، فهناك منتجات مصنوعة من البلاستيك وأخرى من الورق وثالثة من النسيج ورابعة من المعادن.

وهكذا، وكل هذه المواد الخام لابد من النظر إليها عند الرغبة في تدوير أي عنصر منها، فمثلاً المنتجات الورقية مثل أوراق الصحف أو المجلات تستخدم في صناعة الكارتون، وإطارات السيارات التي خرجت من الخدمة ولم يعد استخدامها للسيارات آمناً يمكن أن تدخل في صناعات أخرى لها علاقة بتصنيع الأدوات المطاطية، وهكذا.

ثروة هائلة

وتقول سمر فيصل أن الكميات الهائلة من النفايات التي تنتج عن الاستخدام البشري للسلع الاستهلاكية تمثل ثروة هائلة إذا أحسنا الاستفادة منها في تحويلها إلى منتجات وعناصر مفيدة.

وتضيف أن المواد البلاستيكية التي تنتج عن علب الطعام تمثل كميات ضخمة يمكن استغلالها في إعادة تصنيع مواد على درجة من الأهمية والاحتياج بالنسبة للمستهلكين، وهذه الفكرة تم تطبيقها في معظم دول العالم، أيضاً المواد الصلبة التي تدخل في الصناعات الضخمة مثل الحديد وبعض المعادن يمكن إعادة تدويرها لاستخدامها في صناعات أخرى تفرضها الحاجة.

وتؤكد سمر على ضرورة التوعية بفوائد عمليات تدوير النفايات لأن البعض لا يزال ينقصه الكثير من المعلومات حول هذا الموضوع، ولا تزال ثقافات البعض تعجز عن استيعاب المشكلة البيئية الناجمة عن تزايد النفايات والمخلفات وتأثير ذلك السلبي على البيئة والعنصر البشري.

وتضيف أن وسائل الإعلام لابد من أن تتحمل مسؤولياتها تجاه هذه المشكلة بالقيام بحملات توعية تشرح فيها للجمهور كيفية التخلص من العبوات الفارغة، وضرورة التعرف على التصنيف الخاص بكل منتج حتى يضعه في السلة التي تناسبه عند التخلص منه، وتؤكد على ضرورة التوسع في إنشاء المصانع الخاصة بإعادة تدوير النفايات والاستخدام الأمثل للموارد البيئية المتاحة في الدولة.

توفير الطاقة

ويشير طلال بيطار إلى أن تدوير النفايات من شأنه أن يفتح لنا باب توفير طاقة بديلة للطاقات التقليدية مثل البترول والغاز والفحم، لأن النفايات لها دور مهم في إمدادنا بالطاقة الجديدة التي تتسم بالنظافة وعدم ترك مخلفات تضر بالبيئة، ويضيف أن وجود مثل هذه البدائل يساعد على تطوير الصناعات التي تحتاج إلى طاقة كبيرة، وفي هذه الحالة يمكن توفير الطاقة الكهربائية أو البترولية للصناعات التي تحتاجها ولا يمكن أن تخدم محلها الطاقة المستخرجة من تدوير النفايات.

وقد يتساءل كل فرد منا عن دوره في إعادة تدوير النفايات، متصوراً أنه دور ضخم تتولاه المصانع الضخمة والحكومات التي تملك الميزانيات والخطط اللازمة لذلك، ولكن الحقيقة غير ذلك، فكل واحد منا بإمكانه أن يقوم بنفسه بعملية إعادة تدوير للنفايات، وعلى سبيل المثال نحن نتوجه إلى الأسواق بأياد فارغة لنشتري المنتجات الغذائية والاستهلاكية التي يعبئها لنا الباعة في أكياس بلاستيكية.

وهذه الأكياس لا يمكن استخدامها إلا مرة واحدة تتحول بعدها إلى قمامة لا طائل من ورائها، بينما الأفضل أن نتوجه إلى الأسواق ونحن نحمل أكياساً من القماش أو البلاستيك المقوى الذي له استخدامات متعددة حتى لا يتبقى بعد عملية التسوق أية فضلات من البلاستيك تذهب إلى القمامة.

تشير لبنى نظيم إلى دور مؤسسات المجتمع المدني في المساهمة في رفع الضغوط عن البيئة إذا وفرت التوعية اللازمة للمنتجات الناتجة عن تدوير النفايات حيث يتصور البعض عن طريق الخطأ أن هذه المنتجات سيئة السمعة كونها مصنعة من النفايات، بينما الحقيقة غير ذلك حيث أن هذه المنتجات تتمتع بنفس مواصفات المواد العادية بل ويمكن اعتبارها الأفضل لأنها ناتجة عن إعادة تدوير يستهدف المحافظة على التوازن البيئي وصحة أفراد المجتمع.

وتضيف لبنى أن اليابان كواحدة من الدول المتقدمة تقنياً توصلت منذ ما يقرب من عشر سنوات إلى تقنيات حديثة بإمكانها إعادة تدوير أجهزة التليفزيون والمايكروويف والثلاجات والغسالات وكل الأجهزة الكهربائية بحيث تمت الاستفادة من نصف مليون جهاز تليفزيون غير صالح للعمل كان يتم التخلص منه في كل عام، والأهم هو توفير فرص تدريبية وفرص عمل للعاطلين حيث وجدوا وظائف في مصانع إعادة التدوير.

جهاد محلية

جاء في تصريحات المهندس حسن مكي مدير إدارة البيئة في بلدية دبي أن الشارقة كانت أول إمارة تفتتح مصنعاً متخصصاً لإعادة تدوير النفايات الإنشائية وذلك في العام 2007، حيث يقوم المصنع حالياً بمعالجة 2000 طن من مخلفات الهدم والإنشاءات يومياً ويحولها إلى مواد بناء خام عالية الجودة وقابلة لإعادة الاستخدام، ومن ناحية أخرى، تعمل أبوظبي في المرحلة الثانية من تركيب شبكة مؤلفة من حاويات بسعة 20 مترا مكعبا في 115 موقعاً والتي ستشكل بمجملها منظومة لجمع النفايات الكهربائية والإلكترونية بحلول شهر يوليو المقبل.

كما حظيت دبي بنصيبها من المبادرات الفريدة ذات الصلة بإدارة النفايات، حيث قامت الإمارة في العام الماضي ببناء أكبر محطة في الشرق الأوسط لمعالجة النفايات الطبية، وفي الآونة الأخيرة، أطلقت شركة تتخذ من دبي مقراً لها أول أطباق قابلة للتحلل البيولوجي بنسبة 100% في الإمارات، وهي مصنوعة من نوى النخيل المتساقط وتتحلل بشكل طبيعي في غضون شهرين.

بالإضافة إلى مشروع «الصحيفة الخضراء»، الذي أطلقه مركز محمد بن راشد لإعداد القادة بالتعاون مع جريدة «البيان»، والذي يقوم على جمع الصحف المستعملة مقابل كوبونات خصم خاصة يمكن استخدامها في المحلات التجارية وأماكن الترفيه من قبل مقدمي هذه الصحف.

وفي العام الماضي، تولت دبي حملة الإمارات للحد من النفايات على المستوى الإقليمي من خلال استضافتها قمة الشرق الأوسط لإدارة النفايات، حيث اشتملت هذه القمة التي أعدتها بلدية دبي على معرض ومؤتمر واستضافت 691 2. متخصصاً في مجال إدارة النفايات من 53 دولة.

وستجمع دورة هذا العام أكثر من 80 خبيراً ليتحدثوا في جلسات رئيسية ومشتركة حول أهم المواضيع في مجال إدارة النفايات مثل تغير المناخ، والتخلص من النفايات وإدارة الموارد، والسياسة والتنظيم والتنفيذ، ومخلفات الإنشاءات إلى جانب العديد من المواضيع الأخرى.

الامارات من اكثر الدول انتاجا اانفايات

بدأت فعاليات الدورة الثانية من قمة الشرق الأوسط لإدارة النفايات بتنظيم من بلدية دبي بمشاركة ما يزيد على 300 شركة متخصصة في هذا المجال، لمناقشة وتبادل الاستراتجيات العالمية، واستكشاف أفضل الممارسات العالمية، والبحث عن الحلول المبتكرة في مجال إدارة النفايات.

وجاء في تفاصيل ما نشرته «البيان» أن الإمارات واحدة من أكثر الدول إنتاجاً للنفايات على مستوى العالم، حيث يبلغ المتوسط السنوي لإنتاج الفرد من النفايات المنزلية في أبوظبي 730 كيلوغراماً، وفي دبي725، حيث تمثل هذه الأرقام زيادة بحوالي 30% على المتوسط السنوي للدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وأصبحت النفايات تشكل تهديداً جدياً لسلامة وصحة المقيمين في الدولة، بالإضافة إلى أثرها السلبي على البيئة فيها، حيث تقوم الحكومات المحلية بمعالجة هذه المسألة من خلال طرح برامج فريدة خاصة بها.

وقال المهندس حسن مكي مدير إدارة البيئة في بلدية دبي، إنه من الصعوبة بمكان الحفاظ على التوازن بين التقدم والمسؤولية البيئية، مشيرا إلى أن منطقة الشرق الأوسط لا تريد التضحية بالثروات الطبيعية لصالح تحقيق مكاسب اقتصادية، حيث إنها تنشط حالياً في البحث عن حلول للقضايا البيئية مثل حجم النفايات المتنامي.

أيمن حجازي