ينحدر آلان غريش، من أم روسية، وأب فرنسي مناضل ماركسي، يدعى هنري كوريل، (1914 ـ 1978)، اغتيل في باريس بسبب أفكاره. أبوه بالتبني مسيحي قبطي من مصر. هكذا قُدر لهذا الصحافي والكاتب والمفكر الفرنسي أن يعيش بين عالمين: عالم ذكرياته المصرية أيام صباه ومراهقته، وعالم حياته الباريسية حيث ترعرع وشق طريقه نحو عالم الصحافة والكتابة، فتألق فيها وأصبح عموداً من أعمدتها.
ظل طيلة حياته، مناضلاً يسارياً يناصر العدالة ويقف ضد الظلم. كرس أعمالاً عديدة للقضية الفلسطينية وكتب أطروحة الدكتوراه عن منظمة التحرير الفلسطينية. ألف كتبه بمفرده وأصدر كتباً واشترك مع آخرين في تأليفها أمثال: طارق رمضان، ودومنيك فيدال وآخرين. في 3 مايو من عام 2009 طرح في بروكسل ما أطلق عليه (نداء التعقل) وقع معه نخبة من المفكرين والكتاب الأوروبيين والغربيين، مطالبين إسرائيل بالكف عن عدوانها على الشعب الفلسطيني وتأسيس دولته المستقلة ووقف الاستيطان. مسيرة خلاقة، مصحوبة بالمواقف السياسية الجريئة التي يعلنها في جميع المؤتمرات والندوات والمحافل.
على هامش منتدى الإعلام العربي الذي انعقد في دبي مؤخراً، التقت (البيان) بآلان غريش، رئيس تحرير (لوموند دبلوماتيك) التي تصدر في نحو 40 بلداً وبلغات مختلفة، وناقشت معه في قضايا متعددة، من بينها «شعبية» الملحق في الشارع العربي من حيث الاهتمام بقضاياه المصيرية. يجيب «من الطبيعي أن يهتم ملحقنا (لوموند دبلوماتيك) بالقارئ العربي، وهو موجه إلى القارئ الذي لا يجيد القراءة باللغة الفرنسية. وبفضل طبعته العربية، فإننا نصل إلى مئات الآلاف من القراء.
ويعتمد الجزء الأساسي في عملنا على ترجمة موضوعاتنا إلى اللغة العربية. والأهم من كل ذلك أننا ننشر ملحقنا ضمن 11 صحيفة مهمة في الوطن العربي، تطل على القارئ كل شهر. وتكمن أهمية هذا الملحق في أنه يمنح القارئ العربي رؤية مختلفة لما يجري على الساحة الدولية، وهي وجهات نظر تختلف عن الرؤية الأنغلوسكسونية المهيمنة على الساحة الإعلامية. نحن نسعى أن نقدم تحليلاً نوعياً يختلف عن ما هو موجود».
والجدير ذكره أن النسخة العربية من (لوموند دبلوماتيك) تصدر في 11 دولة عربية هي: مصر، السعودية، قطر، الكويت، البحرين، الإمارات، المغرب، الجزائر، فلسطين، السودان واليمن.كما تصدر بلغات مختلفة في 14 دولة أوروبية و8 دول من الأميركيتين، و6 دول كبرى في آسيا وإفريقيا. وهذا ما يجعلها تُوزع في نحو 40 دولة، أي تغطي معظم دول العالم قاطبة.
«نعيش من المبيعات وليس الإعلانات»
وعن آفاق الاستمرارية على الصعيد التجاري، وما إذا كانت الطبعات العربية تغطي نفقات الإنتاج، يقول غريش:«مؤسستنا لا تحقق أرباحاً خيالية ولكنها متوازنة، وتعود ملكيتها إلى أصحابها الذين يكتبون فيها، وهم نخبة من الصحافيين والعاملين فيها. على أية حال، ليست فكرتنا أن نربح الأموال بقدر ما نطمح لتحقيق أهداف أخرى في خدمة القارئ.
وهذه سياستنا منذ البداية. والصحيفة سواء في الفرنسية أو في اللغة العربية لا تخسر الأموال. ونحن من المؤسسات الصحافية القليلة التي تعيش من المبيعات وليس من الإعلانات لأنها ضئيلة عندنا، ولا تشكل سوى 5 بالمئة من ميزانيتنا.
كما أن الصحف التي نتعاون معها في نشر ملحقنا، يؤكدون على الاهتمام المتزايد من قبل القراء بها، وخاصة من قبل الطلبة والمثقفين والمتعلمين لأنها تحتوي على تحليلات عميقة وليست عابرة كما في معظم الصحف».
ذلك قد يعكس البعد الفكري للمطبوعة، بعيدا عن الهم التجاري، وهو ما يؤكد عليه غريش: «إننا صحيفة رأي وفكر قبل أي شيء آخر. ولدينا رؤية معينة لمستقبل العالم وتطوره، وهي رؤية إنسانية قائمة على روح العدالة الاجتماعية، والإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإدانة الامبريالية والكولونيالية.
ولدينا رؤية واضحة فيما يخص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ونؤمن إيماناً راسخاً بتشكيل الدولة الفلسطينية المستقلة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذه هي الخطوط العامة لسياستنا في هذا المطبوع. وهذا يعني أننا نعطي للقارئ مفهوماً عميقاً لما نطرحه من أفكار، بالإضافة إلى رفده بالمعلومات».
ومن المعروف أن فريق عمل الصحيفة محدود للغاية وأن معظم من يكتبون في الصحيفة هم من خارج فريق العمل الصحافي أي من المتعاونين سواء كانوا صحافيين أو جامعيين مختصين:
«ونعتمد على سياسة موحدة في التحرير الصحافي كون مقالاتنا طويلة وعميقة ودقيقة وذات رؤية تحليلية، وهذا ما يعطي للصحيفة رؤية منسجمة ككل. وكذلك نحرص على توضيح مصادرنا في الكتابة، ونعتبرها من أوليات العمل الصحافي لأن التوثيق في العمل الصحافي ضروري للقارئ النوعي».
«من الصعب التنبؤ بمستقبل الصحافة الإلكترونية»
وعن متطلبات الاستجابة إلى الثورة الإعلامية الحاصلة والتأقلم معها يجيب رئيس تحرير «لوموند دبلوماتيك»: هناك ثورتان في الفضاء الإعلامي وليس ثورة واحدة، الأولى تكمن في البث الرقمي والمباشر وهذا ما أدى إلى تغيير (علاقة القوة) بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون، ورافق هذه الثورة انتصار الصورة التي لا تكذب.
والثورة الثانية هي نهاية السيطرة الغربية على المعلومات، فحتى وقت قريب، كان الشمال يسيطر على وكالات الأنباء الكبرى مثل رويترز ووكالة الأنباء الفرنسية، لكن ظهور وتطور القنوات الفضائية العربية والصينية والروسية والأميركية اللاتينية أدى إلى خلخلة هذا الميزان إذ لم تعد هناك فقط (قصة) واحدة ترويها وكالات الصحافة الغربية لما يجري في العالم.
وقد تزامن هذا التطور في المجال الإعلامي مع تطور جيوسياسي، لأن العالم أصبح متعدد الأقطاب مع نهاية السيطرة الغربية وظهور قوى اقتصادية وسياسية جديدة لها رؤيتها الخاصة للعالم.
لن يغيّر من هذه الوضعية أن يقرأ القارئ على الانترنت أو الورق أو الأيبود. وهنا يتدخل النموذج الاقتصادي الأفضل بالنسبة للصحف والمجلات»، ويضيف: «لا يمكن لهذا النموذج أن يكون معياراً للجميع.
على سبيل المثال، نحن صحيفة تعتمد كما أسلف على المبيعات وهناك صحف أخرى تعيش على الإعلانات أو على نموذج اقتصادي آخر. وكل ذلك يعتمد على السوق الإعلانية لكل بلد. والآن ظهر مبدأ تسديد الدفع على قراءة المقالات إلكترونياً. لذا من الصعب التنبؤ بمستقبل الصحافة الإلكترونية».
«شن حرب على إيران كارثة حقيقية»
«إسرائيل تضعف السياسة الخارجية للولايات المتحدة»
وعن آفاق الصراع العربي الاسرائيلي يقول «إن سياسة إسرائيل من شأنها أن تضعف موقف الولايات المتحدة مع الدول العربية المعتدلة الحليفة لها.
وما نشهده حالياً من محاولات المبعوث الأميركي للسلام جورج ميتشيل تبدو محبطة بالنسبة للقضية الفلسطينية، وهذا الرجل يحتاج إلى الديناميكية الضرورية لحّل القضايا المعقدة وهو غير قادر على ذلك.
وقد أخبر بايدن، نائب الرئيس الأميركي، نتانياهو حسب ما تناقلته الصحافة الأميركية بأن سياسته تعرّض حياة الأميركيين إلى الخطر في العراق وأفغانستان، لأنها تغذي الجهاديين الإسلاميين.
فيما يبحث الإسرائيليون عن مبررات لمواصلة بناء المستوطنات رغم قرارات تجميدها، وخاصة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويبدو الرئيس الأميركي باراك أوباما عاجزاً أمام إسرائيل».
«شن حرب على إيران كارثة حقيقية»
ويرى غريش أن الرئيس الأميركي يريد أن يطوي صفحة العراق من خلال الانسحاب. ولكن هناك ما يشبه الشلل الذي أصاب العراق لأن الحرب الأميركية دمّرت الدولة العراقية وليس من السهل بناؤها على أسس صحيحة في الوقت الحاضر، خاصة مع ولاء أحزاب كثيرة للطائفية.
وهذا ما يتجسد في الأزمة الأخيرة الحاصلة بين المالكي وعلاوي، خاصة أن أغلب الأحزاب الشيعية مناصرة أو تابعة لإيران، وهذا ما يزيد في تفاقم حلّ الأزمة ويصيب الأميركيين بالحيرة والتخبط.
وفي الموضوع الإيراني يقول «لا أعتقد أن التهديدات الأميركية أو الغربية بفرض مزيد من العقوبات سوف يجد حلاً للأزمة بل على العكس من ذلك، لأنها تساهم في تفاقم الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي.
ولا يوجد أي حلّ آخر سوى الحوار المتبادل. وهناك دول مثل تركيا والبرازيل تحاولان إنشاء مثل هذا الحوار. وهناك قوى في إسرائيل تسعى لفرض العقوبات أو شّن حرب على إيران، وفي حال وقوعها، ستكون كارثة حقيقية على المنطقة، بل أكثر كارثية من الحرب الأميركية على العراق في عام 2003.
وعما إذا كان يعتقد أن جوهر تلك الحرب كانت ضد الإرهاب أم أنها غير ذلك، يجيب «إن الحرب العالمية على الإرهاب التي أطلقتها الإدارة الأميركية أخذت شكل حملة ضد العالم الإسلامي، وردا على ذلك أعلن تنظيم القاعدة حربا يواجه فيها العالمين العربي والغربي في آن واحد.
وهذه الحرب أدت إلى تحويل النزاعات السياسية إلى نزاعات دينية تؤثر على التحليل وتحّد من القدرة على الاستيعاب والتقدير الواقعي للأمور».
ويضيف «وهذه الحرب أدت أيضاً إلى خلط الأوراق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن أهم تغيير حصل في فرنسا منذ 11 من سبتمبر، دفع بعضاً من الرأي العام الفرنسي سواء من اليسار أو اليمين إلى رؤية الإسلام كعدو جديد بدلاً من الشيوعية سابقاً. وشهدت فرنسا وأوروبا نقاشات حادة حول الحجاب والنقاب والمرأة والإسلام. وفي المقابل يجب أن لا نؤيد هجوم الإسلام ضد الغرب لأنه يؤثر سلباً على قضية فلسطين.
فالعداء بين الغرب والإسلام معناها أن نتحول إلى حلفاء لإسرائيل ضد الفلسطينيين! بينما تشكل إسرائيل أكبر تهديد للسلام». ويؤكد في الختام أنه منذ السبعينات وحتى التسعينيات، لعبت فرنسا ولا تزال دوراً أساسياً في تكوين موقف أوروبي يعنى بتأييد حقوق الشعب الفلسطيني.
الطبعة العربية ليست ترجمة حرفية للفرنسية
تنشر الطبعة العربية من «لوموند دبلوماتيك» مقالات خاصة لا تتواجد في النسخة الفرنسية «في كل عدد شهري نعمل على إضافة مقالات خاصة تعنى بالعالم العربي أو مكتوبة خصيصاً لمعالجة قضاياه من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. ونحن نبعث بالمقالات إلى عدد من البلدان التي يصدر فيها ملحقنا، ونمنحها حرية نشر واختيار المقالات. والمعروف أن الطبعة العربية ليست ترجمة حرفية للطبعة الفرنسية.
على سبيل المثال، يصدر ملحقنا في 12 صفحة في بعض البلدان العربية بينما يصل عدد صفحاته العادية 28 صفحة. ونبتعد في الطبعة العربية عن نشر المقالات التي تغرق في الشأن الفرنسي، والتي قد تثير الملل لديه، وهي أحياناً مملة حتى بالنسبة للقارئ الفرنسي.
وليست العربية هي اللغة الوحيدة التي تصدر بها (لوموند دبلوماتتيك)، إلى جانب الفرنسية، فهي تصدر في بلدان مختلفة وبلغات مختلفة حيث تتوزع على 14 دولة أوروبية و8 دول من الأميركيتين و6 دول كبرى في آسيا وإفريقيا.
وهذه خريطة تغطي العالم بكامله تقريباً. ونحن نقوم بترجمة هذه المقالات إلى اللغات المختلفة من قبل مترجمينا. ولدينا مشروع إصدارها باللغة الانجليزية مع صحيفة (غولف نيوز). ولدينا اتفاقيات مع عدد من البلدان لترجمتها مع اسبانيا ودول أخرى من أميركا اللاتينية».
منتدى الإعلام العربي في دبي تجربة متفردة
أعرب رئيس تحرير «لوموند دبلوماتيك» آلان غريش عن سعادته بحضوره فعاليات «منتدى الإعلام العربي» في دبي، ويصفه بالظاهرة المتفردة:«يستمد المنتدى هذه الفرادة من النظرة المستقلة لدور الإعلام وأهميته في التنمية. ودبي، كما هو معروف، تسير على خطى الحداثة بكل المقاييس الدولية المتعارف عليها.
أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالك، فإن الصحافة العربية بحاجة إلى استقلالية أكبر وتطورها مرهون بقدرتها على الالتصاق بهموم القارئ وليس بتحولها إلى أداة من أدوات السلطة كما في معظم البلدان العربية».
ويعتقد أن الانفتاح هو سمة دول الخليج في الوقت الحالي والمستقبل: «شهدت دول الخليج العربي تطوراً اقتصادياً مهماً منذ ثلاثين عاماً. وهناك انفتاح على العالم بفضل شبكات الانترنت والموبايل وغيرها من وسائل الاتصال الأخرى. وإن ما يحرّك هذه المجتمعات وجود ديناميكية خاصة، وبعضها تواجه مشكلات خاصة كما هو الحال في المملكة العربية السعودية».
وتختلف نظرته لدول الخليج تحديدا عن الوضع العام في العالم العربي في مساره السياسي والاجتماعي والاقتصادي: «أعتقد أن العالم العربي يمّر بأزمة، ويعود ذلك إلى صعوبة تطور المجتمع السياسي في كل بلد عربي لأنه يعاني من استحقاقات كثيرة في مجتمع يتكون في معظمه من الشباب. وبعض الدول لا تنتبه إلى توزيع الثروات. ولكن المشكلة الأكبر ناتجة عن تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي».
حوار ـ شاكر نوري


