نحو 30 شابا اجتمعوا في أحد مختبرات كلية الهندسة الميكانيكية بحرم الجامعة الأميركية في الشارقة، وقد انقسموا إلى مجموعات مختلفة كل واحدة منها كانت تعمل على تصميم سيارة وقد تخضبت أيديهم بالسواد، فقد فضلوا انجاز مشاريعهم بأنفسهم، وعلى الرغم من أن اللغة المتداولة بينهم لم تخرج عن إطار الأرقام والرموز والمصطلحات الانجليزية، إلا أننا استطعنا قراءة الفرح في عيونهم، فما هي إلا أيام ويكونون بين صفوف الخريجين.
لم يكن العمل على مشاريعهم عبثيا، إنما كانوا جميعا ملتزمين بقواعد محددة استقوها من مسابقة «اس ايه أي» الأميركية المخصصة لطلبة الجامعات، حيث كانوا جميعا يتطلعون للمشاركة والفوز بها.
في مختبرهم الذي امتلأ بالمعدات الكبيرة، استطاعت هذه المجموعات تصميم وتنفيذ ثلاث سيارات وطائرة صغيرة، وقد أثبتت بالتجربة الحية نجاعتها رغم كم الصعوبات الهائل الذي واجهوه أثناء العمل، من حيث التمويل وتوفر قطع الغيار والمواد التي استخدمت لبناء السيارات والطائرة.
تصاميم مختلفة
«البيان» رافقت الشباب في تجاربهم واطلعت على سياراتهم التي صممت كل واحدة منها لهدف معين، فالأولى صديقة للبيئة، والثانية مخصصة للصحراء، والثالثة لحلبات السباق، أما الطائرة فيمكنها تأدية مهمات عدة أقلها التحليق بمسار معين.
البداية كانت مع فريق سيارة «سوبر مايلج» التي تمتاز بصداقتها للبيئة، حيث يمكنها قطع أطول مسافة ممكنة (قد تصل إلى 700 ميل) باستخدام نحو غالون بترول واحد فقط.
فريق هذه السيارة يعد نفسه حاليا للطيران إلى الولايات المتحدة الأميركية تمهيدا للمشاركة في مسابقة «أس أيه آي»، بعد حصولهم على رعاية إحدى الشركات في دبي، وحول هذه السيارة، يقول وائل رفعت بحيري، أحد أعضاء الفريق:
ما شجعنا على اختيار هذا المشروع انه يحدث للمرة الأولى في الجامعة الأميركية كمشروع متكامل، إلى جانب أنه يساهم في حماية البيئة، خاصة وأن التوجه العالمي يسير في هذا الاتجاه حاليا.
ومن دون شك فإن تقليل استخدام البترول في السيارة لن يؤدي فقط لتقليل المصروفات، وإنما تقليل نسبة الانبعاثات الملوثة للبيئة والتي يمكن إيجاد حلول لها مستقبلا، والمتابع سيجد أن معظم شركات السيارات بدأت تتجه في تصنيع سياراتها نحو تقليل استهلاك الوقود عبر تحسين فعالية المحركات، وبالنسبة لفكرة مشروعنا فهي قابلة للتطبيق على أرض الواقع وقد لا يكون ذلك بشكل فوري، ولكن بالنسبة لنا نكون قد فتحنا الباب أمام الأجيال القادمة لتطوير هذه الفكرة بحيث تصبح واقعا ملموسا.
نتائج فعالة
ولتشغيل السيارة استخدم أعضاء الفريق محركا صغيرا بقوة 50,3 أحصنة، وسعة 150 سي سي، ورغم حجمه الصغير فهو قادر على إعطاء نتيجة فعالة، وحول ذلك قال وائل: بالنسبة لنا نحن ملتزمون بقوانين وشروط مسابقة «اس ايه أي»، والتي تجبرنا على استخدام هذا المحرك، ولتحسين فعاليته كان علينا تطويره وتعديل بعض تفاصيله.
ويعتقد أعضاء الفريق الذين توجهوا بالشكر إلى شركة الطاير للسيارات ولاندروفر لرعاية هذا المشروع، والى الدكتور أمين الجراح، عميد كلية الهندسة الميكانيكية لمساعدته أعضاء الفريق، ومحمد بن سليم، رئيس نادي الإمارات للسيارات والسياحة وبطل الراليات في الشرق الأوسط، أن نجاحهم في استخدام محرك صغير سيمهد الطريق أمامهم لاستخدام محرك أكبر حجما ما سيحسن أداء السيارة مستقبلا، خاصة وأن عملية تطويره ستكون أسهل.
ولكن في المقابل يصر أعضاء الفريق على أن هدفهم هو ابتكار مشروع يساعد على سيادة البيئة الخضراء، وتوقع الفريق أن يكون مستقبل صناعة السيارات معتمدا على هذه الفكرة والتي تهدف إلى قطع اكبر عدد ممكن من الكيلومترات بأقل كمية ممكنة من البترول.
القيادة في الصحراء
في المقابل كان الفريق الثاني قد اختار تصميما آخر لسيارته «ميني بابجه» التي تصلح للقيادة في الصحراء والشوارع على حد سواء، وعن هذه السيارة يقول حسام السمهوري، أحد أعضاء الفريق:
المشروع عبارة عن سيارة للصحراء، وهي ليست دفعا رباعيا، بل دفع خلفي، وقد حصلنا على المواصفات المطلوبة من شروط مسابقة «اس ايه أي» الأميركية، وتعتبر هذه السيارة التجربة الثالثة في الجامعة، ومن قبلها كانت سيارة موجودة ولكن فضلنا أن نبدأ بسيارتنا من الصفر، واستطعنا أن نجعلها تصل إلى سرعة 40 كم/ساعة، باستخدام محرك بقوة 10 أحصنة.
وقد قمنا بتجربتها على أرض الواقع، ولكن ما زالت تحتاج لبعض التعديلات وهي مهمة المجموعة التي ستأتي بعدنا، حيث يمكنهم التعديل في الهيكل والمحرك، وبحسب حساباتنا يمكنها أن تصل إلى 80 كم/ساعة، وهي لا تستهلك البترول نهائيا، حيث يكفي خزانها لمسافة تمتد إلى ساعتين من القيادة المتواصلة، ويمكنها السير في الصحراء والشوارع المسفلتة.
واجه أعضاء فريق سيارة «ميني بابجه» عددا من الصعوبات، وحولها قال السمهوري: أولى هذه الصعوبات كانت إيجاد راع، حيث لم يكن الجميع متحمسا للفكرة ولكن بعد الانتهاء من السيارة وبعد عرضها على بعض الشركات أعجبوا بها ووافقوا على رعاية المجموعة التي ستعمل عليها مستقبلا، أما الصعوبات الأخرى فقد تمثلت في توفير القطع اللازمة وفضلا عن أنها غالية الثمن فهي ليست موجودة بالدولة، واضطررنا لاستبدال نوعية القطع بأخرى متوفرة بالدولة، وهذا لعب دورا في رفع وزن السيارة ما جعلها أثقل من المطلوب.
لا يمكن مقارنة سيارة «ميني بابجه» مع السيارات الموجودة فعليا في الأسواق، ولكن تتميز هذه السيارة باحتوائها على مستوى عالي من الأمن والسلامة، حيث قام الفريق بتصميم الهيكل بطريقة تضمن عدم تعريض حياة السائق للخطر في حالة اصطدامها من الأمام أو الجوانب.
حلبات السباق
أحلام هؤلاء الشباب وصلت إلى حدود بعيدة، فمن الصحراء إلى حلبات السباق، حيث تمكن هؤلاء الشباب من تصميم سيارة على شاكلة سيارات «الفورمولا وان» بكل ما فيها من مميزات وقوة تمكنها من السير بسرعة فائقة، وحول هذه السيارة يقول عمر عبد الرؤوف الحاج، أحد أعضاء الفريق:
استقينا قواعد سيارتنا من مسابقة «اس ايه أي» الأميركية، واعتمدنا فيها على محرك دراجة هوندا «سي بي أر»، ويتكون محرك السيارة من 600 «سي سي»، ويحتوي على «تيربو» لنتمكن من الحصول على أكبر قوة ممكنه من المحرك ضمن الحدود المسموح بها في المسابقة.
وأشار الحاج إلى أنه يمكن لسيارتهم أن تصل إلى سرعة 200 كم/ساعة، حيث يمتاز محركها بقوة 200 : 230 حصانا، وهي تحتاج للوصول من صفر إلى 100 كم/ساعة إلى نحو 3 دقائق فقط.
وأضاف الحاج أن أبرز الصعوبات التي واجهها أعضاء الفريق كانت في توفير قطع الغيار اللازمة لسيارتهم، واضطرارهم لاستيراد بعض القطع والإطارات من الولايات المتحدة، الأمر الذي استغرق وقتا أطول للانتهاء منها. ولم يغفل أعضاء الفريق أثناء تصميمهم للسيارة عوامل الأمن والسلامة، من حيث استخدام فرامل معينة وأحزمة الأمان التي عادة ما تتوفر في سيارات «الفورمولا وان».
نسر الصحراء
اختراعات طلبة الأميركية تعدت الأرض لتصل إلى عنان السماء، حيث تمكنت مجموعة مكونة من تسعة شبان من تصميم طائرة صغيرة يمكنها تأدية عدد من المهمات الخفيفة، أقلها الطيران في مسار معين.
يقول محمد حسن، أحد أعضاء فريق طائرة «نسر الصحراء»: مشروعنا عبارة عن طائرة صغيرة يمكنها تأدية مهام معينة، ويمكنها أن تحمل وزنا يصل إلى 10 كغم، ولها حجم معين حيث يصل طولها إلى مترين، وطول الجناح إلى ثلاثة أمتار ووزنها 10 كغم. ويضيف محمد: ابسط مهمة يمكنها أن تؤديه هو التحليق ضمن مسار معين، سواء كانت فارغة أو حاملة لوزن معين، وحاولنا خلال العمل مراعاة الوقت بحيث تؤدي الطائرة مهمتها في أقل وقت ممكن.
كثيرة هي التحديات التي واجهت أعضاء فريق طائرة «نسر الصحراء» والتي استطاعت التحليق على ارتفاع 35 مترا، ومع التطوير يمكنها التحليق على ارتفاع 70 مترا، كما يمكن التحكم فيها عن بعد 300 متر، وحول ابرز التحديات قال محمد:
ابرز التحديات تمثلت في العمل على تصميم الطائرة، فهي التجربة الأولى لنا في هذا المجال، ولكننا تمكنا من التغلب عليه بتصميمها على بعض البرامج الالكترونية التي تبين مدى توازن الطائرة أثناء التحليق، وحتى نضمن ذلك قمنا بتصميمها من مواد خفيفة الوزن وهي «الفايبر غلاس، والكربون فايبر»، والتي تستطيع حمل أوزان ثقيلة نوعا.
مستقبل مبشر لطلبة الجامعات
تتسع أحلام الشباب لتشمل العديد من الأفكار الجديدة والجيدة، وقد استطاع عدد من طلبة الجامعة الأميركية في الشارقة أخيرا من تصميم وتنفيذ ثلاث سيارات وطائرة، وذلك في إطار مشاريع تخرجهم في الهندسة الميكانيكية، ويطمح هؤلاء الشباب إلى المشاركة بمشاريعهم هذه في مسابقة «اس ايه أي» الأميركية المخصصة لمخترعات طلبة الجامعات.
وقد تمكنت إحدى المجموعات وهي فريق سيارة «سوبر مايلج» من الوصول إلى المسابقة بعد حصولها على راع رسمي تكفل بالنفقات التي يحتاجها الفريق الذي يستعد حاليا للطيران إلى الولايات المتحدة الأميركية للمشاركة في المسابقة وعرض أفكارهم فيها، ليكونوا بذلك أول مجموعة من الجامعات الإماراتية تتمكن من الوصول إلى هذه المسابقة.
ورغم شح الموارد التي يعاني منها هؤلاء الطلبة، إلا أنهم تمكنوا من انجاز أفكارهم وتنفيذها على ارض الواقع وتجربتها، وهو ما يبشر بوجود مستقبل جيد لهؤلاء الطلبة، علما بأن جميع السيارات التي تم تصميمها وتنفيذها قد استطاعت أن تثبت نجاحها على أرض الواقع.
دبي ـ غسان خروب
