قبل أن يصبح فردريك ميتران (1947)، وزيراً للثقافة الفرنسية، كان نجماً يجتذبه الفن السابع، فهو ممثل سينمائي، منذ ستينات القرن الماضي، سطع نجمه في أفلام عديدة. وأنتج عدداً من الأفلام السينمائية أيضاً. وعمل ناقداً سينمائياً في مجلة جي أنفورم. وأعد برامج سينمائية للتلفزيون، وألف نحو 13 كتاباً.

أنهى دراسته في العلوم السياسية، ثم قام بتدريس الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا، لكنه لم يستمر في هذه الوظيفة بل تركها ليصبح ممثلاً وكاتب سيناريو ومنتجاً ومقدم برامج تلفزيونية. عينه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مديراً للأكاديمية الفرنسية في روما عام 2008 ومن ثم وزيراً للثقافة والاتصالات العام الماضي.أثارت سيرته الذاتية في روايته حياة سيئة ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والثقافية، ما جعله يتصدر مبيعات الكتب، بسبب اعترافاته الصريحة والصادمة بممارسة السياحة الجنسية في بانكوك. لكن تلك الاعترافات لم تسقطه من وزارته، بل زادت من شعبيته، وجعلت الفرنسيين يحبونه لنزاهته وجرأته وإخلاصه للحقيقة. وهذا ما لا يحدث في البلدان الأنجلو سكسونية أو الولايات المتحدة لأن معايير فرنسا مختلفة.

لم تتمكن اليمينية المتطرفة ماريان لوبين، ابنة الزعيم جان ماري لوبين، من إسقاطه، رغم محاولتها تشويه سمعته قراءة مقتطفات من كتابه على شاشة التلفزيون. ولم تتوقف الحملة عند ذلك الحد، بل اجتاحت الأوساط السياسية الفرنسية حالة ما، يُطلق عليها «هستيريا فريدريك ميتران»، حيث طالب اليمين المتطرف واليسار معاً باستقالته بتهمة الترويج للسياحة الجنسية.

ما جعل كتابه يتصدر مبيعات الكتب، هو إقحام قضية المخرج رومان بولانسكي بقضية كتاب فردريك بعد القبض عليه في سويسرا ومطالبة السلطات الأميركية باسترداده لمحاكمته بتهمة اغتصاب قاصر أميركية. لكنه ظل صامداً في وجه تلك الحملة المسعورة، مصرّاً على عدم تقديم استقالته معللا ما فعله «قد يكون خطأً، لكنه ليس جريمة ولا ذنبا».

وانقسم الفرنسيون بين مؤيد ومعارض، لكن الأكثرية دعمت موقف ميتران الشجاع، ومنهم عمدة باريس الاشتراكي برتران دولانويه. فيما جدّد الرئيس الفرنسي ساركوزي، ثقته بوزيره بدلاً من طرده بناء على تلك الخلفية.

لم يكن فردريك متحمساً للسلطة عندما كان عمه فرانسوا ميتران الذي حكم فرنسا « 1981 ؟ 1995» أثناء العهد الاشتراكي بل حتى لم يتسلم أي منصب حكومي آنذاك، حيث انصرف إلى الفن الذي ولع به منذ طفولته، وأن همه كان منصباً على نشر الثقافة والوعي.

ولعل أهم ما في شخصية هذا الرجل، هو مناصرته لقضايا العالم الثالث والمغرب العربي. فمواقفه لا تُنكر في وقوفه ضد العنصرية واليمين المتطرف ودفاعه عن العرب والمسلمين والمهاجرين في فرنسا. ووقوفه مع القضية الفلسطينية حيث شجع السينمائيين الفلسطينيين ودعم مشاريعهم. ولا تزال صفحاته ناصعة، تنير سيرته الذاتية في عالم مفعم بالعنف والقسوة.

شاكر نوري