يا نَسِيم البَحرِ البَليلَ سَلامُ *** زارَكَ اليومَ صَبُّكَ المُسْتَهامُ

إنْ تَكُنْ ما عَرَفْتَني فَلَكَ *** العُذْرُ فقدْ غَيَّرَ المُحِبَّ السِّقامُ

أَوَلا تَذْكُرُ الغُلامَ رَشيدا *** إننّي يا نَسيمُ ذاكَ الغلامُ

طالَمازُرْتَني إذا انْتَصَفَ *** الليلُ بِلُبنانَ والأَنامُ نِيامُ

ورَفَعْتَ الغِطاءَ عنّي قليلاً *** فأَحَسَّتْ بِمَزْحِكَ الأَقدامُ

وتَنَبَّهْتُ فاتِحاً لكَ صَدْراً *** شبَّ فيهِ إلى لِقاكَ ضِرامُ

يا نسيمَ المُحيطِ ما هكذا في *** ساحِلِ البَحْرِ عندَنا الأنْسامُ

أنتَ إن زُرْتَ في المَنامِ صَحيحاً *** غَلْغَلَتْ في عِظامِهِ الأَسْقام

مُشْبَعٌ بالبُخارِ روحٌ ثَقيلٌ *** بارِدٌ تَسْتَعيذُ منكَ المَسامُ

كَم شَفَتْ لي عُيونُ والِدِهِ *** البحرِ أُواماً، يا حَبَّذاكَ الأُوامُ

كارِعاً من زُلالِها لا بِجامٍ *** فهي ساقٌ وسَلْسَبيلٌ وجامُ

سارِحاً مارِحاً خَفيفاً لَطيفاً *** كَمَلاكٍ جَناحُهُ الأحلامُ

أَسْبِقُ الفجرَ في الهُبوطِ إلى البحرِ ** * وكَم طابَ لي بهِ اسْتِحْمامُ

سابِحاً كالإِوَزِّ أَنْطَحُ *** صَدْرَ المَوجِ زاخِرٌ لَطَّامُ

صاعِداً من جيوشِهِ في إكامٍ*** تَتَجَلَّى في البرِّ منها الاكامُ

كلَّما ازْدَدْنَ هَيْبَةً وعلاءً *** طابَ لي في صُفوفِهِنَّ اقْتِحامُ

طاهِرَ القلبِ لستُ أُوجِسُ شَرّاً *** جاهِلاً ما تُخْبِئُ الأيامُ

شادِياً في النهارِ والليلِ حتى *** أَدْهَشَ النّاسَ بُلْبُلٌ لا يَنامُ

غُرْفَتي السَّطْحُ زَيَّنَتْها سَماءٌ *** تَتَدَلّى من سَقْفِها الأَجْرام

فكأَنَّ الفَضاءَ صدرٌ رَحيبٌ ** وكأَنّ الهِلالَ فيهِ وِسامُ

وكأَنّ النّجومَ شِعرٌ بَديعٌ ** لا غُموضٌ فيهِ ولا إبْهامُ

يا بَرازيلُ لو أَفَضْتِ عليَّ المالَ ** فيضاً ما طابَ لي فيكِ المُقامُ

أينَ زَهرُ النُّجومِ فيكِ وأينَ الشَّمسُ، ** أينَ الهِلالُ، أين التَّمامُ؟

أجميعُ الشُّهورِ فيكِ شباطٌ** أَو ما للشِّتاءِ عَنْكِ انْصِرامُ

أنتِ نِعمَ البِلادُ خصْباً وجوداً** غيرَ أَنَّ الهَناءَ فيكِ حَرامُ

يا لَشَوْقي إلى مَحاسِنِ قُطْرٍ ** هَبَطَ الوَحْيُ فيهِ والإلْهامُ

وكُرومٍ إنْ مَرَّ فيها غَريبٌ ** يَتَوارى من وجْهِهِ الكَرَّامُ

لَو قَضَمْتُ الرَّغيفَ فيهِ قَفاراً ** فالرّضى والسّرورُ نِعمَ الادامُ

أَيُّها النَّازِحونَ عَوْداً إليهِ ** حالَما يَسْتَتِبُّ فيهِ السّلامُ

كلُّ حَيِّ إلى الشَّآمِ سَيَمْضي ** حينَ يُقْضى، إنَّ السَّماءَ الشَّآمُ

رشيد سليم الخوري *

ـ ولد رشيد سليم الخوري المعروف بـ (الشاعر القروي) في قرية البربارة سنة 1887، وقد نعته الناقد قسطنطين حداد ذات مرة بلقب الشاعر القروي فأشتهر به.

هاجر إلى البرازيل في عام 1913 برفقة أخيه قيصر المعروف بالشاعر المدني وتولّى رئاسة تحرير مجلة «الرابطة»، وظل في المهجر مدّة خمسةٍ وأربعين عاماً؛ حيث عاد إلى وطنه (الذي قضى فيه ثلاثة وعشرين سنة) وكان ذلك في عهد الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، وتوفي في لبنان عام 1984.

من كتبه: «الرشيديات» وهي أول مجموعة شعرية طبعت عام 1916م في البرازيل.سالقرويات» طبع عام 1916م في البرازيل.الأعاصير: شعر قومي الطبعة الأولى عام 1933م الزمازم: مختارات حماسية طبعت عام 1962م. ديوان «القروي» صدرت طبعته الأولى عام 1952م ؟ في البرازيل.