حاولت كثيرا أن أتخلص من هذه العادة السيئة، ووضعت لنفسي عقوبات صارمة.
لا يوجد شخص على هذه الأرض لا يتقن فن الكذب، وأنا للأسف اسم بارز في هذا المجال منذ صغري، حيث لا أعرف لماذا أبالغ أثناء سردي لموقف معين أو وصفي لشيء ما، حاولت كثيرا أن أتخلص من هذه العادة السيئة، وأن أجبر نفسي على عدم الحديث كثيرا حتى لا تكثر أخطائي، ولكنني فشلت.
وأشعر أن حياتي مرة بسبب الكذب، فهناك تنافر واضح بيني وبين الصدق والصراحة، حيث أجد صعوبة في قول الحقيقة دائما وأفضل وضع «بهارات» على كل شيء أقوله، ولطالما تمنيت أن يواجهني أي شخص بكذبي ونفاقي، ولكن يبدو أنني محترفة إلى حد كبير لا يستطيع معه الآخرون حتى الشك فيما أقوله.
وضعت لنفسي عقوبات صارمة، مثل التبرع بعشرة دراهم، والصيام، والامتناع عن شرب الماء ليوم كامل، عن كل مرة أكذب فيها، ولكن حب الكذب كان يتدفق في دمي وشراييني، وبعد فشل محاولاتي الشخصية ذهبت إلى عيادة طبيبة نفسية علها تعالجني من مرضي الذي يزيد حياتي ألما يوما بعد يوم.
ولكنني اكتشفت أنها تكذب أكثر مني، حيث وصفت حالتي بأنها أمر بسيط، وكانت مهتمة بتحديد مواعيد جلسات للأسابيع القادمة أكثر من اهتمامها بالاستماع لمشكلتي، وبصراحة شعرت أنها منافقة، وقررت عدم العودة إلى عيادتها، وأذكر أنني في ذلك اليوم عدت إلى البيت منهارة أبكي، وعندما سألتني والدتي عن سبب بكائي قلت لها «توفيت إحدى صديقاتي»، وذهبت مسرعة إلى غرفتي، احتقرت نفسي في تلك اللحظة، فماذا استفدت من كذبي على والدتي أيضا؟!
ولماذا فعلت ذلك أصلا؟! ولماذا اخترت هذه الكذبة بالتحديد؟! قررت أن أكون صريحة وذهبت إلى والدتي حتى أقول لها الحقيقة، وعندما نظرت إلى عينيها، احتضنتني، وخففت حزني ثم قالت لي «الموت سنة الحياة» تجمد لساني ولم أستطع أن أقول لها انني كذابة.
الحياة لا تتوقف، وأيامي لا تخلو من الأكاذيب، علاقاتي مع الآخرين مبنية على الكذب، أحيانا أفكر في موقفي إن كشف أحدهم نفاقي وقال لي «كفاكي كذبا»، ماذا سأفعل؟! وكيف سأحفظ ماء وجهي؟! مشكلتي أنني أكذب حتى في أصغر الأمور وأقلها أهمية.
نور غسان
