تماماً كما لم تعد السلالم التقليدية وسيلة تليق بصعود عشرات الطبقات في أبراج تعدت السحاب، يؤكد الواقع تجرد أمثال وأقوال شعرية ومأثورة من مغزاها الذي ترسخت من أجله، إذ لم يعد الشباب منطلقين بثقة «من شابه أباه فما ظلم»، تماماً كما عجز «عجز» بيت الشعر «كاد المعلم أن يكون رسولاً» عن الإبقاء على مكانة المعلم ضمن مستويات تليق بصاحب تلك المهنة.

ولم يعد خافياً على أحد أن مكانة مهنة التدريس هذه الأيام تسير في انحدار سلبي، وذلك بعد أن كان المعلم معلماً! واحد أو اثنان وربما لا أحد من طلاب الثانوية المواطنين يطمح لأن يلتحق بركب التدريس.

في تخصصات توافق العمل في البيئة المدرسية التي هي الأخرى تخلت عن ضوابط وخطوط حمراء كانت تحفظ للمعلم هيبته، مثلما تمنح للتدريس مكانة تكريمية ترقى لوصف الرسل والأنبياء، وإن كان المستطلعون جميعاً يرفعون لاءات صريحة في وجه التدريس كمهنة مستقبلية.

اليونيسيف

قبل ثلاثة أعوام انفردت «البيان» في نشر تفاصيل تقرير لليونيسيف موجه لوزارات التربية والتعليم، والذي يقول إن المنطقة العربية بشكل عام تقف على أعتاب أزمة معلمين من الذكور تحديداً، وفي حين أن دولا مثل الأردن ومصر وسوريا تعد من الدول المصدرة للمعلمين للعمل في دول الخليج.

فهي وخلال العام 2015 ستقف على أعتاب أزمة حقيقية، فتصبح مطالبة قسراً بوقف هجرة المعلمين فيها، لكي تحفظ الأمن لنظامها التعليمي، لا سيما في ظل واقع ينجرف فيه الشباب العرب نحو تخصصات تواكب العصر، وتبتعد عن ارتباط صاحبها بالمدرسة والتعليم، وتلك سمة عربية عامة ومؤشر خطير في شح المعلمين الذكور، كما أكد تقرير اليونيسيف.

معلم قديم

إسماعيل محمد إسماعيل الذي يعمل معلماً في مدرسة المعارف الحكومية في دبي، كان قد التحق بركب التدريس منذ نحو 20 عاماً، وحينها خُّيل له أنه حقق إنجازاً كبيراً بأن أصبح معلماً يحظى بجرعة كبيرة من الطاعة والاحترام والتقدير، في مجتمع ظل إلى وقت قريب يحفظ للمعلم مكانته ويتمناها إلى درجة الحسد، كما يؤكد إسماعيل.

ويضيف المعلم القديم أنه اختار تخصص اللغة العربية رغبة منه في التدريس والتعليم، تماماً كما كان واقع الغالبية العظمى من الشباب في مرحلة سابقة، حيث كانت مهنة التدريس مطمعاً للجميع، مثلما أنها مصدر فخر واعتزاز.

فيما الواقع الحالي يجسد منعطفاً خطيراً لتلك المهنة التي لم تعد ترضي فضول أضعف الطلبة الجامعيين، والسبب يكمن في اختلاف معايير وأدوات المعيشة وفي نظرة المجتمع السلبية التي أحالت مهنة الأنبياء إلى «أرذل العمر».

إسماعيل أكد أنه لم يعد مقتنعاً بما تمليه علينا أقوال كثيرة، لعل واحداً منها «من شابه أباه فما ظلم»، حيث أنه يمانع إلى درجة الإصرار أن يكون التدريس خيار أحد من أبنائه، وذلك ليس انتقاصاً من مهنة لا يزال يراها سامية، وإنما رغبة منه في درء الصعوبة المعيشية والمجتمعية عن أبنائه، حيث يعيش غالبية معلمي العالم العربي في حدود خط الفقر أو يزيدون قليلاً.. وربما دونه!

رفض الطلاب

ويقول الطالب محمد عبد الكريم من مدرسة محمد بن راشد للتعليم الثانوي إنه لا يقبل لنفسه أن يصبح معلماً، حيث إن وضع التعليم لا يبعث على التشجيع إطلاقاً، سواء من حيث الحوافز أو في معطيات التعليم وجودته وبيئته، فكل تلك الأمور لا تساعد على أن يتطلع الطالب لمهنة التدريس.

وبحسب ما يرى عبد الكريم فإن الواقع يؤكد أن البيئة التعليمية لا تشجع المعلم على العطاء والمواصلة، مثلما أنها لا تمنح الطالب الثقة في تجاوبه مع المعلم والمدرسة بشكل عام، وذلك واقع لا يلقى ارتياحاً من جانب الطلاب هذه الأيام، مشيراً إلى أنه يطمح لأن يصبح مختصاً في العلوم السياسية، بفعل رغبة شخصية ترافق طموحه منذ الصغر.

الطالب عبدالله المعيني من مدرسة الصفا الثانوية، يؤكد هو الآخر أنه لا يريد مهنة التدريس لنفسه، بل يطمح للالتحاق بركب العسكرية، وذلك مجال أفضل من وجهة نظره من التدريس الذي لم يعد مطمعاً لأحد، لأسباب كثيرة، كما يقول، لعل في مقدمتها الحوافز المادية والامتيازات الشحيحة التي لا ترقى إلى وصف هذه المهنة المقرونة بالنبوءة شعرياً.

موضحاً أن التعليم هذه الأيام أمسى مهنة طاردة، وقليل جداً من أبناء الإمارات وحتى في العالم العربي من يبحثون عنه كتخصص للمستقبل، فالمعلم غير مؤهل لأن يكون قدوة للأجيال المقبلة، لذلك فمن الصعوبة بمكان أن تجد طالباً يقبل لنفسه وظيفة معلم.

حديث محبط

وفي نفس السياق يقول الطالب عبدالله العامري من مدرسة الصفا أيضاً، أنه لن يكون معلماً ولا يريد لنفسه أن يعود للمدرسة من أي باب كان، وخيار التدريس لم يكن يوماً ضمن أولوياته المطروحة على بساط المستقبل، حيث أنه يطمح لأن يكون مهندساً في مجال الطيران رغبة منه في ذلك المجال المهني والوظيفي، حتى وإن كان موقعه العملي في الخارج وتحت أشعة الشمس.

ويؤكد العامري أنه يسمع كثيراً حتى من المعلمين أنفسهم حديثاً محبطاً عن التعليم وواقع مهنة التدريس الذي يعيشونه، وهم أنفسهم لا يودون لطلبتهم اختيار هذه المهنة لكونها لم تعد مجدية، وبعضهم ينصح الطلبة بالابتعاد عنها، وفي خضم هذا الواقع كيف لك أن تجد رغبة لدى جيل الشباب في أن يصبحوا معلمين.

نفور مبرر

ويؤكد عمر جمعة الطالب في مدرسة دبي للتعليم الثانوي أنه لا يحب الدراسة ولا يود المدرسة، وهو يرغب في أن يكون لاعباً رياضياً أو موظفاً حكومياً، ولم يتطلع يوماً لأن يصبح معلماً في مدرسة، حيث ان التربية والتعليم وجهة مستقبلية مقفلة في حياته وحياة الكثيرين غيره على حسب تعبيره.

والتدريس من وجهة نظر عمر يتطلب مزيداً من البذل والعطاء والجهد والتحضير والاجتهاد، أما هو فلا طاقة له على «هالسوالف» تحديداً كما قال، حيث ان غالبية الشباب ينفرون من التعليم بحكم صعوبة واقعه الوظيفي، وذلك النفور أمر طبيعي ولا يظلم التدريس كمهنة طالما أن واقعها بهذه السلبية.

أحمد مبارك الطالب الثانوية في مدرسة المعارف الحكومية في دبي، لا يريد هو الآخر مهنة التدريس لنفسه، فهو كما يقول لا يصلح لأن يكون معلماً، حيث أن طموحه ينحصر أكثر في مجال العسكرية والوظيفة الحكومية التي يراها تلبي متطلباته الحياتية أكثر من غيرها من الوظائف.

ويضيف أن التعليم أصبح مهنة طاردة بحكم الواقع السلبي الذي يعيشه العاملون في الميدان التربوي، وهكذا واقع يستحق هذا الحجم من التردد والإحجام، حيث يرى أنه وفي حال كان واقع التعليم أكثر إشراقاً وإيجابية، فإنه من السهل أن تجد مئات كثيرة من الشباب يرتضون التدريس مهنة مستقبلية لهم.

خطوة أولى واجبة

يرى الطالب علي عبدالله من مدرسة المعارف الحكومية في دبي، أن التدريس واحداً من الخيارات المبتعدة كلياً عن مستقبل الغالبية العظمى من الطلبة المواطنين، وعلى الرغم من أنها مهنة سامية وحميدة، إلا أن الواقع الذي يعيشه المعلمون هذه الأيام سواء من حيث الامتيازات المادية، أو من حيث احترام الطلبة لا يبعث على تحفيز الطالب لأن يصبح معلماً.

ويؤكد عبدالله أنه يريد أن يتخرج محامياً وذلك حلم راوده مبكراً، حيث إن هذه المهنة تحفظ لصاحبها مستقبلاً أكثر إشراقاً، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن التعليم وفي حال وجد دعماً على نحو يرقى لوصف «تعديل أوضاعه» فقد يصبح خياراً مستحدثاً في أولويات الشباب، وإلا فإنك لن تجد من يختاره للمستقبل مهما طالت السنوات، والسبب نظرة المجتمع المنحدرة يوماً بعد يوم إلى من يمسكون بالقلم، للأسف.

نظرة سلبية

يرى أيوب حبيب رئيس قسم الإعلام والتنسيق الحكومي في وزارة التربية والتعليم، أن مشكلة الإحجام الشبابي عن الالتحاق بركب التدريس وخصوصاً لدى الذكور، مرتبطة بشكل مباشر في نظرة المجتمع التي لا تمنح التقدير الكافي للمعلمين كأصحاب مهنة، لافتاً إلى أن صديقا له يعمل معلماً وهو يخجل أحياناً من التعريف بنفسه في جلسات الأصدقاء، والسبب النظرة السلبية المغلوطة التي تحيط بالتدريس عامة.

وأكد حبيب أن الطفل سابقاً كان يحلم بأن يصبح معلماً، واليوم نادراً ما تجد طفلاً مقتنعاً بهذه المهنة حتى في حديث الأحلام، مشيراً إلى أن النظرة المجتمعية التي على ما يبدو أطاحت بهيبة التدريس لا يمكن لها أن تعالج إلا بتضافر جهود مشتركة بين وزارة التربية والتعليم وأفراد المجتمع ومؤسسات الإعلام، مع ضرورة توفر بعض الحوافز المادية التي تساعد على الارتقاء بمستوى معيشة المعلمين.

المشكلة كما يراها حبيب لا تنحصر في المردود المادي، خاصة وأن إمارة أبوظبي توفر امتيازات مادية كبيرة نسبياً للمعلمين المواطنين.

وفي المقابل نادراً ما تجد معلمين جدداً يلتحقون بقطاع المدارس طالما أن المسألة مرتبطة بالتقدير المجتمعي أكثر، مشيراً إلى أن رواتب المعلمين في العديد من المدارس الخاصة والتي ربما لا تتجاوز ثلاثة آلاف درهم كانت على ما يبدو الدافع الأبرز وراء تدني هيبة المعلم وهو يبحث عن رضا طلبته لكسب ساعات من الدروس الخصوصية التي تحفظ له العيش الكريم.

دبي ـ عنان كتانة