يزخر التاريخ بتجارب إنسانية خالدة، فانتقيت تجربة اقتبستها من (كتاب هؤلاء هزموا اليأس) لسلوى العضيدان.

ولد توماس أديسون سنة 1847م في مدينة ميلانو بولاية أوهايو الأميركية، ولم يتعلم في مدارسها الابتدائية إلا ثلاثة أشهر، فقد وجده ناظر المدرسة طفلا بليدا متخلفا عقليا، فتم طرده من المدرسة ولم يسمح له بمواصلة الدراسة فيها.

إن هذا الطفل البليد الذي حكم عليه التفكير المدرسي بالبلادة والعجز والتخلف قد سجل (1093) براءة اختراع، وما زال هذا الرقم هو الرقم القياسي المسجل لدى مكتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة الأميركية.

حين حرمته المدرسة من إكمال التعليم أدركت أمه أن حكم المدرسة على ابنها كان جائرا وخاطئا فعلمته بالمنزل، فأظهر شغفا شديدا بالمعرفة، وأبدى نضجا واضحاً مبكراً، أديسون كان أكثر نضجاً وأنفذ بصيرة من المدرسة بمديرها ومعلميها الذين ضاقوا بكثرة أسئلته فاستنتجوا بأن كثرة الأسئلة دليل على قصور الفهم وأنه برهان على الغباء، رغم أن العكس هو الصحيح فكثرة الأسئلة تدل على يقظة العقل واستقلال التفكير.

كان اختراع الحاكي (المسجل) هو أول اختراع يحصل على براءة اختراعه، وقد باعه بمبلغ 40000 دولار، وكان مبلغا ضخما في ذلك الوقت، وبذلك استطاع أن يتفرغ للاختراع وأن ينشئ معملاً كبيراً في نيويورك، كان فاتحة المعامل والمختبرات للشركات والمصانع في العالم .

وكان جراهام بل قد توصل إلى إمكانية نقل الكلام بواسطة التيار الكهربائي لكنه لم يتمكن من اختراع جهاز يُمكِّن من تحويل هذا الاكتشاف الهام إلى هاتف يتيح الاستخدام على نطاق تجاري فطلبت شركة وسترن يونيون من أديسون أن يحاول صناعة هاتف قابل للاستعمال العام، وبعد بضعة أشهر تمكن أديسون من تسجيل هذا الاختراع وباعه على الشركة المذكورة بمبلغ مئة ألف دولار.

ورغم أنه سجل أكثر من ألف اختراع وهو رقم قياسي لم يسجله أحد قبله ولا بعده، إلا أن الفتح الأكبر كان اختراعه المصباح الكهربائي، وإقدامه على إنشاء محطة لتوليد الكهرباء، وإقامة شبكة لتوزيعه على المنازل والمحلات، فلقد كان الناس في كل الدنيا منذ وجودهم على الأرض يعيشون ليلاً في ظلام حالك، وبهذا الاختراع تحولت المدن والبيوت والمحلات إلى أنوار ساطعة.

كان توماس أديسون سابقاً لعصره لذلك لقي الكثير من السخرية حين أعلن بداية عصر الكهرباء وانتهاء عصر الأتاريك والسُّرج والظلام..

إن قصة توماس أديسون تُعتبر من أروع القصص العصامية والكفاح، وفيها دروس باهرة ودلالات كبيرة تبرهن على أن الإنسان النبيه إذا توقَّد اهتمامه فإنه قادرٌ على تعليم نفسه بنفسه والوصول إلى أرفع الذُّرى في العلم والابتكار.

وقد فسر أديسون سر نجاحه: (بأن 2% من نجاحه وحي وإلهام ، و98%جهد واجتهاد)لذا استحق أن يسجل اسمه كواحد من أبرز الخالدين في التاريخ لأنه لم يستسلم لليأس يوما!

ولم ينزو بتشاؤم في دهاليز الظلام ليبتعد عن أعين الفضوليين التي كانت تتفرس بشكل رأسه الغريب، ولم يتوقف طويلاً عند نعتهم له بالمتخلف البليد، ولأنه تحدى اليأس فقد استحق ما وصل إليه بجدارة.

حمدة خلفان