لم يكن ينقص الحيود المرجانية في العالم سوى مشكلة التلوث الصوتي، كي تكتمل دائرة الحصار المحدق بها من كل جانب، فبالإضافة إلى ما يتعرض له المرجان في الحيد البحري من الخطر الناجم عن التلوث البحري والصيد الجائر باستخدام الديناميت وظاهرة الدفيئة وتحمض المحيطات، يتعرض الآن لخطر جديد، هو التلوث الصوتي.
اكتشف العلماء أن المرجان الصغير، في أيامه الأولى، وهو لا يزال عبارة عن يرقات تسبح في المحيط، تشق طريقها نحو الحيد المرجاني لتستقر فيه، مستعينة في قيامها بالأصوات الناجمة عن المخلوقات، التي تعيش في ذلك الحيد، لكن الأصوات الأخرى، التي يسببها البشر، مثل محركات السفن والحفر والتنقيب، بدأت تخفي صوت الحيد المرجاني عن تلك اليرقات الصغيرة، فما عادت تهتدي في طريقها.
تعتبر الحيود المرجانية من أغنى الأنظمة البيئية في الطبيعة، ويصفها البعض بأنها «غابات البحار المطرية»، إذ إنه يعيش في جنباتها ربع الكائنات البحرية، من الأسماك الملونة حتى الأسفنج، رغم أنها لا تحتل سوى أقل من واحد بالمئة من مساحة المحيطات، وتمتاز بأهمية اقتصادية كبيرة، فيما يتعلق بالسياحة أو صيد الأسماك أو حماية السواحل، وتقدر تلك الأهمية، في لغة الأرقام، بما قيمته أكثر من 20 مليار جنيه إسترليني سنوياً.
في الوقت نفسه، تعتبر تلك الحيود المرجانية حساسة لدرجات حرارة الماء وظواهر التغير المناخي، التي قد تدمرها، إن لم تسبقها إلى ذلك التهديدات الأخرى، التي تحيق بها، ومنها استخدام المتفجرات في صيد السمك والسموم، مثل سم السيانيد، والتلوث الزراعي والصناعي، الذي يتسرب إليها، قصداً وعن غير قصد، من البر، كما يشكل ارتفاع مستوى حموضة المحيطات تهديداً آخر، وينجم هذا الارتفاع عن ارتفاع نسب ثاني أكسيد الكربون في الجو، الذي يزيد من درجة حرارة الأرض أيضا.
لهذا يرى بعض الخبراء أن المرجان بوضعه الراهن معرض للانقراض، بشكل كبير، حتى لو لم يتعرض لأية تهديدات جديدة، لكن التهديد الصوتي أصبح واقعاً الآن، ليزيد من احتمال انقراض المرجان في العالم.
حيث إن فريقاً من الباحثين الدوليين أجروا تجاربهم في منطقة الكاريبي، فوجدوا أن يرقات المرجان يجب أن تجد ملاذاً آمناً بسرعة لتهبط عليه، وتبني مستعمراتها حوله، وإلا نفقت، وتستدل تلك اليرقات على مقصدها عن طريق الصوت، وأثبت فريق الباحثين هذا عملياً باستخدام أجهزة تحاكي الأصوات الصادرة عن الحيد المرجاني، حيث لاحظوا كيف اتجهت تلك اليرقات اللافقارية إليها.
وكان الدكتور ستيف سيمبسون من جامعة بريستول قد اكتشف، قبل سنوات عدة، أن صغار الأسماك تهتدي للحيد عن طريق الصوت، لكنه استغرب عندما اكتشف أن الأمر ذاته ينطبق على المرجان، وتشبه يرقات المرجان البيوض الصغيرة المغطاة بالشعر، وهي تنتمي لمجموعة الكائنات التي تضم قناديل البحر، لكن لا أحد يعرف بالضبط كيف يمكن لتلك المخلوقات البدائية أن تحدد اتجاه الصوت.
ويرى الدكتور سيمبسون أن الصوت يحرك جزيئات المياه، التي ربما تحرك بدورها الشعيرات الصغيرة الموجودة على أجسام تلك اليرقات، وبما أن المرجان مثل الأسماك يستجيب للأصوات فإن الأصوات الأخرى المتداخلة ستؤدي، مع العوامل الأخرى المعروفة، إلى نفوق تلك اليرقات، وبالتالي تعرض الحيود المرجانية في المستقبل لخطر التقلص الشديد، ومن ثم الانقراض.
وخلال العقدين الماضيين، فقدت البحار 20% من شعابها المرجانية، خاصة خلال الأعوام من 1996 ـ 1998، التي أدت إلى نفوق نسبة كبيرة من الشعاب المرجانية وابيضاضها، وأدى هذا التدمير الكبير للشعاب المرجانية إلى لجوء معظم الدول إلى استخدام الشعاب الاصطناعية، وذلك لتعويض ما تم فقده من المرجان الطبيعي، ويتراوح العمر الافتراضي لتلك الشعاب الاصطناعية ما بين 400 -500 عام تقريباً.
يوسف جباعته
