من سخرية القدر أن تتكرر حوادث التلوث النفطي في مناطق بعينها دون أن تأخذ الجهات المعنية الإجراءات المطلوبة لمنع حدوث وتكرار مثل هذه الكوارث، والتي حتما لا يتوقف ضررها عند مكان وقوع حادث الانسكاب النفطي فحسب، سواء كان الانسكاب قريبا من السواحل أو بعيدا عنها في عرض البحر.

كما هو الحاصل الآن من تضرر وتلوث شواطئ الولايات الجنوبية لويزيانا وكاليفورنيا، ويقدر بعض العلماء أن تأثير هذا التسرب قد يمتد تأثيره إلى الشواطئ الغربية من أوروبا. ويبقى السؤال ألم يأت الوقت لتتعظ فيه شركات البترول والحكومات وتطور من أساليبها وإجراءاتها لمنع حدوث مثل هذه الكوارث، وأن تقف على منع تكرار التسرب النفطي في أسرع وقت ممكن وبأقل ضرر؟ كما أن السؤال الذي يطرح نفسه أليس استخدام البراري لاستخراج النفط أقل ضررا من الشواطئ؟ وللحديث أكثر عن الكوارث النفطية البيئية وأثرها على البيئة بشكل عام وعلى الكائنات البحرية بشكل خاص التقت (البيان) الدكتور داوود كاظم الخبير البيئي الذي قال:

لن يكون حادث التلوث النفطي الأخير في خليج المكسيك التلوث الوحيد الذي يعد من أهم مسببات دمار البيئة البحرية بل سبقته حوادث أخرى في العديد من بحار وخلجان وشواطئ العالم.

وتتنوع مصادر التلوث النفطي في البيئات البحرية فمنها الانسكابات النفطية التي تنتج عن ناقلات النفط والتي كان من أكبرها لحد الآن حادث التسرب النفطي الذي وقع في يوليو 1979 من الناقلة أتلانتيك أكسبريس في توباعا حيث كانت كمية النفط المنسكب 276 ألف طن، بالإضافة إلى التلوثات التي تنتج جراء تفريغ هذه السفن لمياه التوازن.

وعن الحوادث التي تقع تحت نطاق منصات النفط قال د.داوود إن حادث خليج المكسيك الذي نحن بصدده يعد من الحوادث الكبرى، وكذلك حادثة انفجار أيكوفسك في بحر الشمال في 22 أبريل 1977 الذي أدى إلى انسكاب أو تسرب ما بين 15000 إلى 21000 طن، بالإضافة إلى حادث أيكستوك وان في خليج المكسيك عام 1979 ونتج عنه تسرب نحو 475000 طن من النفط على مدى 290 يوما، وهو حادث مماثل للتلوث الذي يعيشه الخليج ذاته في الولايات المتحدة الجنوبية.

أما عن حوادث التسرب النفطي في مياه الخليج العربي أشار د.داوود إلى حادث التسرب النفطي من حقل هرمز الإيراني عام 1983 والذي استمر لمدة عامين، بسبب الحرب ونجم عنها تسرب 733000 برميل نفطي، ويعد هذا الحادث من أكبر الكوارث البيئية في الخليج العربي.

وبعد هذه الحادثة وجد حادثة تسرب نفطي أخرى كانت في عام 1991، وأدى هذا التسرب إلى خلق كارثة بيئية كبيرة استمرت لسنوات عديدة، حيث من المعلوم أن هذا النوع من الحوادث تزداد تأثيراتها على الشواطئ وليس أعالي البحار، حيث يمكن أن يظل النفط مترسبا فيها تحت ظروف معينة ولعقود طويلة، كما يمتد هذا التأثير السلبي إلى الأنهار والبحيرات والممرات المائية والمستنقعات والمشاريع الاقتصادية المختلفة خاصة محطات التحلية والشواطئ السياحية.

وأكد د.دوواد أن لحوادث تسرب نفط تأثيرات بيئية كبيرة وخطيرة، وقد تم قياس الأثار البيولوجية التي تسببت بها الهيدروكربونات وتبين لها أن لها أنماطا عامة، فالأنواع في مراحل تكونها الأولى أكثر حساسية من التي بلغت مرحلة النضج.

كما أن القشريات أكثر حساسة من الأسماك، مشيرا إلى أنه على الرغم من أن الدراسات بينت أن البيئات المتأثرة تستعيد حالتها الأولى بمرور الزمن، لكن يظل هناك قلق متزايد إزاء الأثار طويلة الأمد التي تتعرض لها الكائنات البحرية لمستويات منخفضة من الهيدروكربونات، حيث تتراكم الهيدروكربونات المهجنة في الأنسجة الدهنية.

وفي حال زادت كمياتها المتراكمة خلال السلسلة الغذائية وبلغت درجات عالية من التركيز في أجسام الطيور والأسماك والثديات الجارحة الكبيرة، فإن ذلك يؤثر على قدرتها في التكاثر، كما يمكن أن يصل تركيز ثنائيات الفينيل متعددة الكلورة في أنواع الأغذية البحرية إلى حد يجعل الأغذية غير قابلة للتسويق، وهذا ضرر اخر قد يؤثر من ناحية اقتصادية.

مؤكداً إلى أن النظم الأيكولوجية الحساسة على الشواطئ تتأثر بسبب التلوث النفطي، حيث انها تهدد الحياة الطبيعية للأحياء البحرية والبرية التي هي موطن أساسي لها، ومنها مناطق المانجروف والشعب المرجانية.

وأشار د.داوود أن طرق مكافحة ومعالجة التسرب النفطي لم تتغير كثيراً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلا أنه دخل على المكافحة طريقة جديدة وهي رصد البقع النفطية عبر الأقمار الصناعية وتطور تقنيات الشفط والتفتيت الكيميائية، التي تعد أقل خطورة على البيئة البحرية للبقع، مع ان استخدام هذه التقنيات الحديثة في وقف التسرب ما زالت في طور التجارب الفردية، والتي لم يتم اعتمادها بشكل رسمي ودولي.

كما أن هناك ضرورة قصوى لتفعيل الاتفاقيات الدولية التي تحمي البيئة البحرية، مثل اتفاقية المسؤولية المدنية للتلوث البحري الناجم عن التسرب النفطي وغيرها من الاتفاقيات القارية والمحلية التي تعني بحماية البيئة وتنميتها أو تلك الخاصة في حماية البيئة البحرية وسلامتها، واستدامة مصادرها.