عند إطلاق بطاقات الصرف الفورية أو ما يعرف بـ «دبيت كارد»، والتي تسمح لصاحبها بتسديد الدفعات مباشرة من حسابه المصرفي، في أوائل التسعينيات، كانت تلك بداية التراجع التدريجي البطيء لاستخدام النقود في أنحاء كثيرة من العالم. ومع ذلك بقيت العملة النقدية الوسيلة الأساسية المتداولة في حالات معينة، مثل تسديد ثمن الغداء لصديق أو التسوق من سوق الخضار الشعبي وما إلى هنالك.

لكن هذا الوضع قد يتغير الآن مع توجه عدد من الشركات الصغيرة والكبيرة - بما في ذلك بعض أشهر وحدات تنظيم الدفع الإلكتروني - إلى إبداع طرق مبتكرة لتمكين الأفراد الذين لا يريدون استخدام النقود على الإطلاق من تسديد ديونهم الصغيرة سواء الخاصة أو العامة باستخدام هواتفهم المتحركة.

ولقد طور العديد من تلك الشركات ماسحات ضوئية صغيرة لقراءة بيانات البطاقات الائتمانية يتم توصيلها بالهاتف المتحرك مقابل رسم صغير لتمكين أي شخص أو عمل تجاري متواضع من تحويل الهاتف المتحرك إلى ماكينة لمعالجة تعاملات البطاقات الائتمانية.

وعلى سبيل المثال فإن التطبيق الذي ابتكرته شركة «باي بال» لا يتطلب سوى ضرب الهاتفين المتحركين ببضعهما بقوة خفيفة لتحويل النقود من شخص إلى آخر. ولقد تقدمت شركة «أبل» أيضاً بطلب لتسجيل براءة اختراع بتطبيق خاص يحول هواتف «آي فون» إلى أجهزة ذكية للدفع الآلي المباشر.

يقول ديك دورسي، أحد مؤسسي شركة «تويتر» الشهيرة ان «مشكلة النقود انها شيء ملموس واستخدامه غير ملائم في كل الظروف، إذ عليك أن تحمل معك رزمة نقود ورقية اينما ذهبت، او الاضطرار للبحث عن جهاز صراف آلي قريب كلما احتجت إلى النقود».

ويرأس دورسي الآن شركة «سكوير»، التي تصنع جهازاً صغيراً بحجم القطعة النقدية المعدنية، يمكن للمستخدم وصله بأي هاتف متحرك من نوع «آي فون» عن طريق مأخذ سماعة الأذن ليصبح بإمكانه على الفور قبول الدفع عن طريق البطاقات الائتمانية.

والمثير للاهتمام هنا ان هذه التقنيات الجديدة تعتمد على البطاقات الائتمانية، ولا تحل مكانها، كما حاولت العديد من التقنيات المشابهة في السابق. وهكذا تبقى شركات البطاقات الائتمانية في الصورة كوسيط، وتحصل على رسم عن كل تعامل مالي يتم بواسطة الهاتف المتحرك.

وتكلف خدمة «جو ـ بايمنت» حوالي 13 دولاراً بالشهر، يضاف إليه رسم ثابت بقيمة 30 سنتا زائد نسبة تتراوح بين 7 .1 إلى 7 .3 بالمئة من قيمة المعاملة، حسب أسعار شركات البطاقات الائتمانية المختلفة.

وبالمقابل ستكون خدمة «سكوير» مجانية، حيث سيدفع المستخدمن فقط 15 سنتاً زائد 75 .2 إلى 5 .3 بالمئة من قيمة كل معاملة. وستتوفر لمستخدمي أجهزة «آي فون» و«آي بود توتش» في الولايات المتحدة اعتباراً من شهر مايو الجاري، على أن تتوفر لمستخدمي الهواتف الأخرى والكمبيوترات المحمولة في وقت لاحق.

وسيكون بوسع الأصدقاء تبادل الدفعات باستخدام تطبيق باي- بال على هواتف «آي فون» مجاناً إذا استخدم الدافع حساباً مصرفياً أو حساباً لدى باي بال، بينما يكلف 30 سنتاً زائد 9 .2 بالمئة للمعاملات التي تتم بحسابات البطاقات الائتمانية.

غير ان هذا كله لا يعني بحال من الأحول بأن النقود بشكلها الملموس على وشك الانقراض، بحسب واين أبيرناثي، نائب رئيس سياسات المؤسسات المالية في جمعية المصرفيين الأمريكيين. ويقول أبيرناثي «تاريخياً، شاهدنا أمثلة عديدة جداً على الابتكارات الفاشلة لأنظمة الدفع، وذلك لأن من الصعب إقناع الناس بأنها وسائل آمنة ويمكنهم الاعتماد عليها في تعاملاتهم المالية اليومية».

لكن هذا كله ربما لن يحول في المستقبل دون الوصول إلى مجتمع خال فعلاً من العملة النقدية بالنسبة لجيل الشباب اليافع الذي أصبح معتاداً على شراء الأغاني والهدايا الافتراضية من الإنترنت باستخدام الهواتف المتحركة. وكما يقول أبيرناثي «الأجيال الأكبر سنا لا تزال تفضل استخدام النقود. لكن جيل الشباب لا يحب التعامل مع الورق، ويفضل الوسائل الإلكترونية في كافة مظاهر أنشطة الحياة اليومية».